ذكر ‌فتح ‌إيلياء وحضور عمر لإعطائهم الأمان وفي شهر رمضان من السنة الخامسة عشر من الهجرة النبوية:

ذكر ‌فتح ‌إيلياء وحضور عمر لإعطائهم الأمان · المدة 7:30 · المقطع 1 من 1

☆ المفضلة
وهى بيت المقدس الشّريف، وهو أوّل فتوح فتحه الإسلام له، قيل: لمّا نزل أبو عبيدة رضى الله عنه الأردنّ بالعساكر كاتب أهل إيلياء، ودعاهم إلى الإسلام أو يعطوا الجزية، فامتنعوا، فنزل عليهم بالجيوش وحاصرهم، فخرجوا ذات يوم فقاتلوا المسلمين، وكانت النوبة يومئذ لخالد بن الوليد رضى الله عنه، ويزيد بن أبى سفيان، فهزموهم حتى أدخلوهم الحصن، ثم قدم سعيد بن يزيد، وكان على دمشق من قبل أبي عبيدة، وكان قد كتب إلى أبي عبيدة قبل قدومه: أيّها الأمير، ما كنت لأوثر على الجهاد شيئا، فابعث إلى عمّالك، فإنّي قادم عليك والسّلام. فأنفذ أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان عاملا على دمشق، فلمّا اشتدّ على أهل إيلياء الحصار من المسلمين طلبوا من أبى عبيدة الصلح، فأجابهم، فقالوا: أرسل إلى خليفتك عمر، فهو الذى يعطينا العهد، ويكتب لنا الأمان، فكتب أبو عبيدة لعمر رضى الله عنه بذلك، فلمّا جاءه الكتاب استشار الصحابة رضوان الله عليهم في السفر، فقال له عثمان رضي الله عنه: إنّ الله تبارك وتعالى قد أذلّ المشركين ولن يزدادوا إلاّ ذلاّ، ولن يزداد المسلمون إلاّ قوّة وعزّا، فإن أقمت بمكانك كان ذلك استخفافا بأمرهم، واستحقارا لهم، وإنّ القوم لن يلبثوا حتى ينزلوا على حكم أبي عبيدة ويعطوا الجزية، وقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إنّهم سألوك منزلة لهم فيها الذلّ والصغار، وللمسلمين فيها العزّ والفتح، وليس بينك وبين ذلك إلاّ أن تقدم، ولك الأجر، وفى كلّ ظمأ ومخمصة، والثواب في قطع كلّ واد، وفي كلّ نفقة، ولست آمن إن يئسوا من قبولك الصلح أن يتمسّكوا بحصنهم، ويأتيهم مدد فيطول حصار المسلمين إيّاهم، ولا آمن أن يدنو المسلمون من حصنهم فيرشقوهم بالنبل، ويقذفونهم بالمجانيق، ورجل من المسلمين خير ممّا طلعت عليه الشّمس، فقال عمر رضي الله عنه: قد أحسن عثمان النظر في مكيدة العدوّ، وقد أحسن علي النظر لأهل الإسلام. سيروا على اسم الله، فسار عمر وولّى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخرج العبّاس رضى الله عنه، عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، فعسكر بالناس، وخرج معه وجوه المهاجرين والأنصار، وخرج عمر رضي الله عنه راكبا على بعير له عليه غرارتان، إحداهما سويق، والأخرى تمر، وبين يديه قربة فيها ماء، وخلفه جفنة، فلمّا قربوا من إيلياء استقبله الناس، وكان أوّل مقنب لقيه، فسلّموا عليه، ولم يعرفوا عمر، فقالوا: هل عندكم من أمير المؤمنين علم؟ فسكتوا، ثم لقيهم مقنب آخر، فسألوهم عن أمير المؤمنين عمر، فقال عمر: ألا تخبرون القوم عن صاحبهم؟ فقالوا: هذا أمير المؤمنين، فاقتحموا عن خيلهم، فقال عمر: لا تفعلوا، فساروا قبل المسلمين يصفّون الخيل، ويشرعون الرماح على حافتي الطريق، ثم طلع أبو عبيدة بن الجرّاح في كبكبة من الخيل وهو على قلوص مكنّفا بعباءة، وخطام ناقته من شعر، وعليه سلاحه، وقد تنكّب قوسه، فلمّا رأى عمر أناخ راحلته، وأناخ عمر بعيره فنزلا، ومدّ أبو عبيدة يده إلى عمر ليصافحه، فمدّ عمر يده إليه، فأهوى أبو عبيدة ليقبّل يد عمر، يريد تعظيمه في العامّة، فأهوى عمر إلى رجل أبي عبيدة ليقبّلها، فقال أبو عبيدة: مه يا أمير المؤمنين، وتنحّى عنه، فقال عمر: مه يا أبا عبيدة، فتعانقا، ثمّ ركبا وتسايرا، ونزلا بالجابية، وجنود أبي عبيدة محاصرة إيلياء، وأتى إلى عمر ببرذون وثياب بيض، وسألوه ركوب البرذون، ولباس الثياب، وقالوا: إنّ ذلك أهيب لك عندهم، فلم يلبس الثياب، وركب البرذون فهملج به، وخطام ناقته بيده لم يفلته بعد، فنزل عن البرذون وقال: لقد غرّني هذا، وأنكرت نفسي، ثم قال: يا معشر المسلمين عليكم بالقصد، وبما أعزّكم به الله، ثم دعا عمر أبا عبيدة، وأمره أن يكتب لهم الأمان، ويخبرهم بقدومه، وسار أبو عبيدة وتبعه عمر في المنازل حتى قدما، فتلقاه يزيد بن أبي سفيان، وسأله أن يغيّر زيّه، وأخبره أنّ ذلك أجمل في النّاس، وأعظم في نكاية العدوّ، فقال: يا ابن أبي سفيان، ما أزيّن نفسي بما يشينني عند الله تعالى، ولا أعظّم نفسي عند النّاس بما يصغّرني عند الله عز وجل، فلمّا نزل عمر رضي الله عنه إيلياء نزل إليهم عظيمهم فصالحهم، وولّى أبو عبيدة عمرو بن العاص فلسطين، وطهّر الله تعالى البيت المقدّس على يد أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه.