الحديث رقم 197
نص الحلقة
أخرج البخاري عن عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى عامة ما يروون عن علي كذبًا. قال ابن حجر: سبب ذلك قول علي في بيع أم الولد، فكان يرى هو وعمر أنهن لا يبعن، ورجع عن ذلك فرأى أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. فقال علي: ما قال. وفي رواية قال عبيدة: بعث إلي علي وإلى شريح فقال: إني أبغض الاختلاف، اقضوا كما كنتم تقضون، فذكره. قوله: فإني أكره الاختلاف، قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر. وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة. ويؤيده قوله بعد ذلك: حتى يكون الناس جماعة، وفي رواية: حتى يكون للناس جماعة. ومراد ابن سيرين ما ترويه الرافضة عن علي من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين، ولم يرد ما يتعلق بالأحكام الشرعية. فقد روى ابن سعد بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لم نتجاوزها. وقال القاري: لم ينقل عن علي خلاف إجماع الصحابة على ما قال عمر، ولم يصح أنه قضى بجواز بيعهن أو أمر بالقضاء به، بل الذي صح عنه أنه كان مترددًا في القول به، وقد سأل شريحًا عن قضائه فيه أيام خلافته بالكوفة، فحدثه أنه يقضي فيه بما اتفق عليه الصحابة عند نهي عمر عن بيعهن. منذ ولى عمر القضاء بها، فقال لشريح: فاقض فيه بما كنت تقضي. وأخرج البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مولى القوم من أنفسهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العبد المملوك المصلح له أجران. فهو الذي نفس أبي هريرة بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك، ولم يكن يحج أبو هريرة حتى ماتت أمه لصحبتها. وفي رواية: نعم ما لأحدهم يحسن عبادة ربه وينصح لسيده. وفي أخرى قال: إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران. ولمسلم قال: نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده، نعما له. وأخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني. فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعي وأعتقي. فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. الْوَلَاءُ حَقُّ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ مِنَ الْمُعْتَقِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا سِوَى مُعْتِقِهِ وَرِثَهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا كَانَ الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ، كَانَ مَنْ أَعْتَقَ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ كَمَنْ وُلِدَ لَهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ نَسَبُهُ، فَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ نَسَبُهُ عَنْ وَالِدِهِ، وَكَذَا إِذَا أَرَادَ نَقْلَ وَلَائِهِ عَنْ مَحَلِّهِ لَمْ يَنْتَقِلْ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: تَوَلَّى قَوْمًا، قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَنْتَمِيَ الْعَتِيقُ إِلَى وَلَاءِ غَيْرِ مُعْتِقِهِ، وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْوِيتِهِ حَقَّ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ فَيَحْرُمُ تَضْيِيعُهُ كَمَا يَحْرُمُ تَضْيِيعُ النَّسَبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَلِّي بِإِذْنِ مَوَالِيهِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَذِنُوا، كَمَا لَا يَجُوزُ الِانْتِسَابُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَإِنْ أَذِنَ أَبُوهُ، وَحَمَلُوا التَّقْيِيدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْغَالِبِ. قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، قِيلَ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ. وقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة، نقل ذلك عن الحسن البصري، وعن الجمهور عكسه. وقيل الصرف الحيلة والعدل الفدية، وقيل العدل التصرف في الفعل، وفيها أقوال أخرى منتشرة. وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما عبد آبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. وفي رواية: أيما عبد آبق فقد برئت منه الذمة. وفي رواية: إذا آبق العبد لم تقبل له صلاة. آبق العبد أي هرب من مولاه، فهو آبق. قال النووي عن قوله فقد كفر: فيه أقوال، أصحها أن معناه أنه من أعمال الكفار، والثاني أنه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنه كفر النعمة، والرابع أن ذلك في المستحل، وهي الأوجه المعروفة في مثله، كقوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، والمراد تغليظ تحريم هذه المسميات كفرًا. وقوله برئت منه الذمة معناه لا ذمة له. قال الشيخ أبو عمرو: الذمة هنا يجوز أن تكون الحرمة، ويجوز أن تكون من قبيل ما جاء في قوله: له ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أي ضمانه وأمانته ورعايته. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق. وأخرج مسلم عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل. فقال: أعطيت الرقيقة قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته. القهرمان: الخازن القائم بحوائج الإنسان، والرقيق اسم يجمع العبيد والإماء، والقوت: الغذاء. وأخرج البخاري ومسلم عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه سابَّ رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّره بأمه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية. قلت: على ساعة هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم. ولمسلم قال: كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيَّرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية. قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. وذكر قوله عليه حلة: الحلة ثوبان من جنس واحد، وقيل: لا تكون الحلة إلا ثوبين جديدين يحلهما من طيهما. وقوله: خولكم، الخول: حشم الرجل وأتباعه. واحدهم خائل، ويقع على العبد والأمة، مأخوذ من التخويل وهو التمليك، كقوله تعالى: وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ. وقيل من الرعاية، كما في حديث ابن مسعود: كان يتخولنا بالموعظة أن يتعاهدنا. وفيه المبالغة في ذم السب والشتم واحتقار المسلم. قال النووي: والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس، محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد أو دونها أو فوقها، لو كان السيد مقترًا على نفسه. أما أبو ذر فقد أخذ بالأفضل والأكمل رضي الله عنه.