الحديث رقم 338
نص الحلقة
باب حكم السحر والكهانة. أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، قال: فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. زاد في رواية عن أبي هريرة يرفعه أنه قرأ: فَرَّغَ عن قلوبهم. قال سفيان: وهي قراءتنا. قوله: فَرَّغَ بالغين المعجمة من قولهم: فرغ الزاد، أي لم يبق منه شيء. والقراءة المذكورة قراءة شاذة. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل أناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال صلى الله عليه وسلم: ليسوا بشيء. قالوا يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا. فقال صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، وفي رواية فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. وللبخاري قال: إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون. قوله يقرفون أي يخلطون فيه الكذب، ورويت بالذال المعجمة يقذفون، وهي بمعنى يقرفون. وأخرج مسلم عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. والعراف الذي يدعي علم الغيب ومعرفة مكان الضالة والمسروق، وهو من جملة الكهان. قال النووي: عدم قبول صلاته معناه أنه لا ثواب فيها، وإن كانت تسقط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة. ونظير ذلك الصلاة في الأرض المغصوبة، مجزئة مسقطة للقضاء، ولكن لا ثواب فيها. فالواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب. فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة الصلوات أربعين ليلة، فوجب تأويله، والله أعلم. وأخرج مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ومنا رجال يخطون. قال كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. قوله فمن وافق خطه فذاك، قال النووي: اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام. وقال القاضي عياض: ويحتمل أن هذا نُسخ في شرعنا، فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب، رحمهم الله جميعًا، بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد. قوله زاد ما زاد، أي زاد من السحر ما زاد من النجوم. والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث التي ستقع في المستقبل، أما ما يُعلم به أوقات الصلوات وجهة القبلة فإنه غير داخل فيما نُهي عنه. قاله الخطابي والبغوي وغيرهما. قال الله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر. وأخرج أحمد والطبراني في الكبير والحاكم بسند حسن عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد. فقالوا يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: إن عليه تميمة. فأدخل الرجل يده فقطعها فبايعه. وقال: من علق تميمة فقد أشرك. التميمة واحدة التمائم، وهي تعاويذ تحتوي على رقى الجاهلية من أسماء الشياطين وألفاظ لا يعرف معناها. وقيل هي خرزات كانت العرب في الجاهلية تعلقها على الأولاد لدفع العين، فأبطله الإسلام؛ لأنه لا ينفع ولا يدفع إلا الله تعالى. باب ما جاء في العدوى. أخرج مسلم عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا غول. قال أبو الزبير: الصفر البطن. فقيل لجابر: كيف؟ قال: كان يقال دواب البطن. قوله لا عدوى، المراد به نفي ما كانت تزعمه الجاهلية وتعتقده أن المرض يعدي بطبيعته لا بقدر الله تعالى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: لا يوردن ممرض على مصح. وقال في الرمل المجذوم: كما سيأتي. وقوله لا صفر، كانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب. قال النووي: وهذا التفسير هو الصحيح، وبه قال خلائق من العلماء. وقد ذكره مسلم عن جابر راوي الحديث، فيتعين اعتماده. وقوله لا غول. أي لا حقيقة للغول ولا وجود لها، والمراد نفي الأساطير حول الغول وما يزعمون من تلونها في صور مختلفة.