الحديث رقم 342
نص الحلقة
لم نزل في باب فضائل الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين. أخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه. ولمسلم قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه. ولمسلم عن أبي هريرة بنحو الرواية الأولى، والمد ملء كف الإنسان المعتدل، والنصيف ملء الكف الواحدة، ويقال في النصف النصيف كما يقال في العشر العشير، والثمن الثمين، والمعنى لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ ثوابه ثواب نفقة أحد أصحاب مدًّا ولا نصف مد. قال الإمام النووي: واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون. قال القاضي: وسب أحدهم من الكبائر، ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل، وقال بعض المالكية: يقتل. وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير قال: قالت لعائشة: يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم. وأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقل الماء، فقال: اطلبوا لي فضلة من ماء. فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، وأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وأخرج البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنهما، وكان من أهل بدر، قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة. وفي رواية: كان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة، وكان يقول لابنه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة. قال: سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ وذكر الحديث. وأخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على الستين، والأنصار نيفًا وأربعين ومئتين. قال: وكنا أصحاب محمد نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمئة. قال البراء: لا والله، ما جاوز معه النهر إلا مؤمن. سبق في باب قسمة الغنائم قول البخاري: إن من شهد بدراً من قريش واحد وثمانون رجلاً، وما جمع به ابن حجر بين الحديثين. وقد بوب البخاري رحمه الله في الصحيح: باب تسمية من سمي من أهل بدر، وعد خمسة وأربعين رجلاً على رسول الله، وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ما تعاقب الليل والنهار. وأخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها. فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب، ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، فكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ. فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. رَوْضَةُ خَاخٍ بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، وَعِقَاصُهَا ضَفَائِرُهَا، وَقَوْلُهُ مُلْصَقًا أَيْ مُقِيمًا فِيهِمْ وَلَسْتُ مِنْهُمْ بِنَسَبٍ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا. قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلشَّكِّ، وَمُرَاجَعَةُ حَفْصَةَ لِلِاسْتِرْشَادِ لَا لِلِاعْتِرَاضِ، وَالْمُرَادُ بِالْوُرُودِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ. انتهى ملخصا. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أنتم اليوم خير أهل الأرض، وكنا ألفا وأربعمائة. قال: ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة.