الحديث رقم 36
نص الحلقة
في باب فضل العلم أخرج البخاري ومسلم عن شقيق بن سلمة قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. وأخرج البخاري عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجعة من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك. باب رواية الحديث النبوي وكتابته. أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش. وقالوا تكتب كل شيء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق. وأخرج البخاري عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن علي بن أبي طالب قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وأخرج البخاري ومسلم عن الأعرج عن أبي هريرة قال: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينًا من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء، وفي رواية: فما نسيت شيئًا سمعته منه. وفي أخرى قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله الموعد، وما كنت لأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كي تهتدوا وأضل، ولولا آيتان في كتاب الله عز وجل ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، والأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون. الحديث. وللبخاري قال: يقول الناس أكثر أبو هريرة، فلقيت رجلًا فقلت: بم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في العتمة؟ قال: لا أدري. فقلت: لم تشهدها؟ قال: بلى. قلت: لكن أنا أدري، قرأ سورة كذا وكذا. وفي أخرى له قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: ابسط رداءك. فبسطته، فغرف بيده فيه، وفي رواية: فغرف بيديه، ثم قال: ضمه. فضممته، فما نسيت شيئًا بعد. قوله على ملء بطني، أي ألازمه وأقنع بقوتي ولا أزيد على القوت، فلا أجمع مالًا لذخيرة ولا غيرها. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين. فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. والبلعوم مجرى الطعام. قال ابن حجر: حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد؛ لأنها كانت سنة ستين، واستجاب الله دعاءه فمات قبلها بسنة. وقال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة لتصحيح باطلهم، أن الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وحاصل باطنهم الانحلال من الدين. قال: وإنما أراد أبو هريرة قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم، ولو كان ما يكتمه من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانه، لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم. وأخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. قوله: نضر الله، قيل دعاء له بالنضارة وهي البهجة والسرور والبهاء. وقيل المراد هنا النظرة من حيث الجاه والقدرة، وفيه الترغيب في حفظ الحديث وتبليغه. وأخرج الشيخان عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع. وفي رواية: فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمع. فكان محمد بن سيرين إذا ذكره قال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ وسيأتي الحديث بطوله في كتاب بدء الخلق وصفات المخلوقات. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث، فقيل هو منسوخ بغيره، كحديث اكتبوا لأبي شاه، وحديث صحيفة علي، وقيل غير ذلك. قوله فليتبوأ أي فليتخذ مباءة، والمباءة المنزل ومنه البيئة، أي فليتخذ لنفسه منزلا من النار، نعوذ بالله من النار، وهو أمر بمعنى التهديد. وقد روي قوله من كذب علي متعمدا إلى آخره عن ثلاثة وستين صحابيا رضي الله عنهم.