الحديث رقم 199

كتاب الوصايا والفرائض · المدة 8:58 · المقطع 1 من 3

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

كتاب الوصايا والفرائض. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، وفي رواية: له شيء يريد أن يوصي به، أن يبيت ليلتين، وفي رواية: ثلاث ليال، إلا ووصيته مكتوبة عنده. قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي مكتوبة. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء. وأخرج البخاري ومسلم عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها ولم يوصِ؟ قال: أوصى بكتاب الله عز وجل. وأخرج الشيخان عن الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا رضي الله عنهما كان وصيًا، فقالت: متى أوصى إليه؟ وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت في حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه؟ قوله: كان وصيًا، أي على الخلافة. قال القرطبي: كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلي، فرد عليهم جماعة من الصحابة وكذب من بعدهم، فمن ذلك ما استدلت به عائشة هنا، ومن ذلك أن عليًا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة. ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة، وقولها في حجري أو حجري هو بفتح أوله أو كسره، وحجر الإنسان حضنه، وقولها انخنث الانخناث هو الانثناء والانكسار، أرادت أنه مال وسقط صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، وفي رواية أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، وأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً. قوله قال له قولاً شديداً، قال النووي: معناه قال في شأنه قولاً شديداً، كراهيةً لفعله وتغليظاً عليه. وقد جاء في رواية أخرى تفسير هذا القول الشديد، قال: لو علمنا ما صلينا عليه. وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم وحده كان يترك الصلاة عليه تغليظاً وزجراً لغيره على مثل فعله، وأما أصل الصلاة عليه فلا بد من وجودها من بعض الصحابة. قال: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيداً في مرض موته أو أوصى بعتقهم ولا يخرجون من الثلث أقرع بينهم، فيعتق ثلثهم بالقرعة. وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، بل يعتق من كل واحد قسطه ويستسعى في الباقي، وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح. وقد قال بقول أبي حنيفة الشعبي والنخعي وشريح والحسن. رحمهم الله جميعًا. وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها. قال: يرحم الله ابن عفراء. فقلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك. فقلت: يا رسول الله، خلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا زدت به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون. اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة. يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. وفي رواية: قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده بمكة فبكى. قال: ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا. قوله: يتكففون الناس، أي يسألون الناس بأكفهم، أو يسألون ما يكف عنهم الجوع. وقوله: أخلف بعد أصحابي، خاف رضي الله عنه أن يموت بمكة فيفوت عليه بعض أجر هجرته. وقوله: تبتغي بها وجه الله شرط لحصول الأجر، وفيه أن أجر الواجب يزداد بالنية، وأجمع العلماء على أنه لا ينفذ ما زاد على الثلث إلا برضا الوارث. والبائس هو الذي عليه أثر البؤس والقلة. قال النووي رحمه الله: واختلفوا في قصة سعد بن خولة، فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، وقيل: هاجر وشهد بدرًا ثم عاد إلى مكة ومات بها، فيكون سبب بؤسه سقوط هجرته، لرجوعه مختارًا وموته بمكة، أو رجوعه ولو بغير اختياره لما نقص من أجر هجرته. وسعد بن خولة هذا هو ابن عفراء المذكور في أول الحديث، وسبق له ذكر قريبًا في باب العدة والإحداد في حديث شبيعة بنت الحارث الأسلمية إذ توفي عنها وهو زوجها رضي الله عنهما. قال القاضي عياض: روينا قوله أن تذر بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح. وقوله: يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من كلام سعد بن أبي وقاص، وقيل: من كلام الزهري. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها في قوله: ومن كان غنيًا فليستعفف. ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، قالت: أُنزلت في والي اليتيم، أي يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف. وللبخاري: نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. ولمسلم قال: أُنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجًا أن يأكل منه. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ، قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وفي رواية قال: إن ناسًا يزعمون أن هذه الآية نُسخت، ولا والله ما نُسخت، ولكنها مما تهاون الناس بها. هما واليان: والٍ يرث، وذلك الذي يرزق، ووالٍ لا يرث، وذلك الذي يقول بالمعروف ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. قوله: هما واليان، أي المتصرفان في التركة والمتوليان أمرها. وقوله: يرزق، أي يعطي من حضر ممن ذُكر في الآية. ويقول بالمعروف، أي يعتذر بلطف ممن حضر منهم ولم يعطه. قال ابن حجر: هذا هو المعتمد عن ابن عباس. وجاءت عنه روايات من أوجه ضعيفة أنها منسوخة، نسختها آية الميراث. وصح ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قول القاسم بن محمد وعكرمة وغير واحد. وبه قال الأئمة الأربعة وأصحابهم، واختلف هل الأمر فيه على الندب أو الوجوب؟ فقالت طائفة: هو على الوجوب، وقال آخرون: على الاستحباب، وهو المعتمد؛ لأنه لو كان على الوجوب لاقتضى مشاركة في الميراث بجهة مجهولة.