الحديث رقم 200

كتاب الوصايا والفرائض · المدة 9:44 · المقطع 2 من 3

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الوصايا والفرائض، أخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئاً؟ ثم قال: يا بني، بع مالنا واقضِ ديني، وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه، أي لبني عبد الله، يقول: ثلث الثلث. قال: فإن فضل شيء من مالنا بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير، خبيب وعباد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله بن الزبير: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني، إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي، فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبتِ، من مولاك؟ قال: الله. فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقضِ عنه دينه، فيقضيه. قال: فقتل الزبير، ولم يدع ديناراً ولا درهماً إلا أرضين، منها الغابة، وإحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر. وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه. فيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، فإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئًا، إلا أن يكون في غزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين، فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف. قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير، فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمته، فقال: مئة ألف؟ فقال: مئة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذه. فقال عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومئتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمئة ألف. ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمئة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا. فباع عبد الله منها، فقضى دينه وأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية، وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زمعة. فقال له معاوية: كم قُوِّمت الغابة؟ قال: كل سهم مئة ألف. قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر ابن الزبير: قد أخذت منها سهماً بمئة ألف. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهماً بمئة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهماً بمئة ألف. فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف. قال: قد أخذته بخمسين ومئة ألف. وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف. فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين، ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم، ورفع الثلث، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومئتا ألف. قال: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئة ألف. أخرجه البخاري في باب بركة الغازي في ماله حياً وميتاً مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر. وقوله: فليوافنا بالموسم، الموسم هو مقدم الحجيج لمكة. قال ابن الجوزي: في الحديث رد على من كره جمع الأموال الكثيرة من جهة المتزهدين. وقال ابن حجر: وفيه بركة العقار والأرض، وأن الاستدانة لا تكره لمن كان قادراً على الوفاء. واللا كراهة في الاستكثار من الزوجات والخدم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أغمى علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة. وفي رواية: فتوضأ فصب علي، أو قال: صبوا عليه، فعقلت، فقلت: لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. وأخرج الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر. وفي رواية: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاث أيها الناس، وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. قد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في الجد في قدر ما يرث، وهل يحجب الأخ في الميراث أو يحجب به أو يقاسمه؟ واختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد. واختلف في بنت وأخت، هل ترث الأخت مع البنت؟ وأخرج البخاري عن جويرية بن قدامة، ومسلم عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر رضي الله عنه، ثم قال: ثم إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟ وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. وفي حديث جويرية: فما كانت إلا جمعة أخرى حتى طعن عمر رضي الله عنه. وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير في الجد. فقال: أما الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً من هذه الأمة خليلاً لاتخذته، فأنزله أباً، يعني أبا بكر. وفي رواية عن ابن عباس قال: أما الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً من هذه الأمة خليلاً لاتخذته، ولكن خلة الإسلام أفضل، أو قال خير، فإنه أنزله أباً، أو قال قضاه أباً، يعني أبا بكر. قال البخاري: وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أب، ولم يذكر أن أحداً خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة.