الحديث رقم 215

كتاب الأشربة · المدة 8:43 · المقطع 2 من 5

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل في كتاب الأشربة. أخرج البخاري رحمه الله عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه فرد الرجل، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان عندك ماء بات في هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا. والرجل يحول الماء في حائطه، قال: عندي ماء بات في شنة. فانطلقا بهما إلى العريش، فسكب في قدح، ثم حلب عليه من داجن له، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعاد، فشرب الرجل الذي جاء معه. الشنة والشن: القربة العتيقة، والكرع: تناول الماء بالفم دون إناء ولا كف، والداجن: الشاة تؤلف في المنزل، وجمعها دواجن، ويقع على كل ما يألف البيوت من الحيوان والطير. قال ابن حجر: قال المهلب: الحكمة في طلب الماء البارد أنه يكون أبرد وأصفى، وفيه أنه لا بأس بشرب الماء البارد في اليوم الحار. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فاستسقى، فحلبنا له شاة، ثم شبته من ماء بئرنا هذه فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ. قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحُثْثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا فَحَلَبْنَا مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ. بَوَّبَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ بِقَوْلِهِ: بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنِ الْيَمِينِ لِلْمُبْتَدِئِ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي هَذَا الِاسْتِئْذَانِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ فَوَائِدَ. وَقَوْلُهُ: تَلَّهُ فِي يَدِهِ، أَيْ أَلْقَاهُ فِيهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ أَلْقَيْتَهُ فَقَدْ تَلَلْتَهُ. وَتَلَّهُ أَيْضًا: صَرَعَهُ أَوْ طَرَحَهُ وَأَلْقَاهُ أَرْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَضَافَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفًا كَافِرًا، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا. ثم أخرى فشرب، ثم أخرى فشرب، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة، فشرب حلابها، ثم أخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء. الحلاب إناء يحلب فيه، يأخذ قدر حلبه، وهو أيضًا اللبن الذي تحلبه، وهو المراد هنا. والمعي بفتح ثم سكون ثم ياء، وبكسر ثم فتح ثم ألف مقصورة: معى، لغتان كما تقدم. قال القاضي: قيل إن هذا في رجل بعينه، وقيل المراد أن المؤمن يقتصد. قال النووي والمختار أن معناه بعض المؤمنين يأكل في معي واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء. قال العلماء: ومقصود الحديث التقليل من الدنيا والحث على الزهد فيها. وتقدم في نظيره في كتاب الأطعمة أن العلماء أطبقوا على حمل الحديث على غير ظاهره، فقيل المراد زهد المؤمن في الدنيا ورغبة الكافر فيها. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعًا، ولا تنتبذوا الرطب والزبيب جميعًا، ولكن انتبذوا كل واحد على حدة. وفي رواية: ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعًا، وفي أخرى نهى عن خليط الزهو والبسر. النبذ الطرح، ونبذ تمرًا أو زبيبًا أي طرحه في وعاء أو سقاء عليه الماء، وتركه حتى يفور فيصير مسكرًا، وهو ما لم يسكر حلال، فإذا أسكر حرم، وانتبذه أي اتخذه نبيذًا، وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر فإنه يقال له نبيذ، ونقيع. قال ابن حجر: قال المهلب: النقيع حلال ما لم يشتد، فإذا اشتد وغلا حرم، وشرط الحنفية أن يقذف بالزبد. قال: وإذا نوقع من الليل وشرب النهار، أو بالعكس، لم يشتد. والزهو بفتح الزاي وضمها البسر إذا لون بحمرة أو صفرة، كما قال أنس في الحديث الآخر حين سئل ما زهوه؟ قال: أيحمر أو يصفر. وأخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلط البسر والزبيب، والبسر والتمر، وقال: انتبذوا كل واحد منهما على حدة. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخلط بسرًا بتمر، أو زبيبًا بتمر، أو زبيبًا ببسر، وقال: من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، وأن ينبذ الرطب والبسر جميعًا. وأخرج مسلم رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط الزهو والتمر ثم يشرب. وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ حِينَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ الْكَرَاهَةِ فِي انْتِبَاذِ الْخَلِيطَيْنِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ، فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ وَهُوَ مُسْكِرٌ. وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ حَرَامٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا مُنَابَذَةٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ، فَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ، فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَتِ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ فَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعْلَاهُ، وَلَهُ عَزْلَاءُ نَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُهُ عَشِيًّا فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً. قَوْلُهَا: أُوكِيهِ، أَيْ أَشُدُّهُ بِالْوِكَاءِ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ الْقِرْبَةِ. وَالْعَزْلَاءُ هِيَ الثُّقْبُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْمِزَادَةِ وَالْقِرْبَةِ.