الحديث رقم 217

كتاب الأشربة · المدة 7:48 · المقطع 3 من 5

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل فيها في كتاب الأشربة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن الحسين بن علي رضي الله عنهما أن عليا قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، والشارف المسنة من الإبل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر، أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي، فبينما أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد جبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنته قينة وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء. فوثب حمزة إلى السيف، فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده زيد بن حارثة، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي الذي لقيت، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزة على ناقتي، فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما. أي شق بطونهما، وها هوذا في بيت معه شرب، جمع شارب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذن له، فإذا هم شرب، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى وخرج، وخرجنا معه. وفي رواية: وذلك قبل تحريم الخمر. قولها: الشرف، النواء، الشارف الناقة المسنة الكبيرة، والنواء السمان جمع ناوية، يقال جمل ناو وجمال نواء، أي سمان، مثل جائع وجياع من الني، بفتح النون وهو الشحم، والني بكسرها، والني هو اللحم الذي لم ينضج. وقوله: ثمل، الثمل بفتح أوله وثانيه السكر، يقال ثمل يثمل ثملاً فهو ثمل إذا أخذت منه الخمر فتغير. والثمالة بقية الماء القليلة في أي حوض وأي إناء، يقال شرب حتى الثمالة، أي لم يبق شيئاً. وأخرج مسلم رحمه الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى يعرض بالخمر. ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به. قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله حرم الخمر. فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها ولا يبيعها ولا ينتفع بها. فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها. قوله صلى الله عليه وسلم: فمن أدركته هذه الآية، أي أدركته حياً وبلغته. والمراد بالآية قول الله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة وأبي بن كعب شراباً من فضيخ زهو وتمر، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرة فاكسرها. فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت. وفي رواية قال: سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ، فقال: ما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ. إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا، إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: لا. قال: فإن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، أرق هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل. وفي أخرى قال: كنت أسقي عمومتي من فضيخ لهم وأنا أصغرهم سناً. وجاء رجل فقال: إنما حُرِّمت الخمر، فقالوا: أكفئها يا أنس، فكفأتها. قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسرٌ ورطب. وفي أخرى قال: إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء مما زادت فيها خليط بسر وتمر. فدخل داخل فقال: حدث خبر، نزل تحريم الخمر، فأكفأناها يومئذ. وللبخاري قال: حُرِّمت الخمر حين حُرِّمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلة، وعامة خمرنا البسر والتمر. وله في أخرى قال: إن الخمر حُرِّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر. ولمسلم قال: لقد أنزل الله هذه الآية التي حُرِّم فيها الخمر: وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ. وفي رواية لهما: فقال بعض القوم: قد قُتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا الآية. سبقت الرواية الأخيرة في باب التفسير وأسباب النزول. والفضيخ شراب اتخذوا من بسر مفضوخ، أي مشدوخ. والزهو: الرطب إذا اصفر أو احمر. والمهراس: حجر يُهرس به، أي يُدق به، وهو أيضًا صخرة منقورة يكون فيها الماء، لا تقله الرجال، يسع كثيرًا من الماء. والقلال جمع قلة، وهي راوية تسع قربتين تقريبًا. وقولهم: أكفئها، من قولهم: كفأت الإناء إذا كببته على رأسه. والمزادة هي الراوية، راوية الخمر. وقوله: إنما حُرِّمت الخمر. هكذا عند الحميدي وابن الأثير، وفي المطبوع من مسلم إنها قد حرمت الخمر، وفي البخاري حرمت الخمر. قال ابن حجر: ورد في بعض طرقه، فوالله ما سألوه عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل، وهو حجة قوية في قبول خبر الواحد؛ لأنهم أثبتوا به نسخ الشيء الذي كان مباحًا حتى أقدموا من أجله على تحريمه والعمل بمقتضى ذلك. وفيه سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله، ولو خالف أهواءهم ومحبوباتهم.