كتاب الرسل والأنبياء عليهم السلام
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتاب الرسل والأنبياء عليهم السلام. ملخص الكتاب. ونشهد أن الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام هو الركن الرابع من أركان الإيمان بالله تعالى، ونؤمن أن أساس دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام هو العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنهم كلهم بعثوا بالتوحيد، ودعوا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه. فالأنبياء والمرسلون أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وهم أعلم الخلق بالخالق سبحانه، وما يجب له وما يمتنع عليه سبحانه وتعالى. وكل نبي دعا قومه إلى أصلين عظيمين، هما عبادة الله وحده، والإيمان باليوم الآخر، وما أعد الله فيه من النعيم لأوليائه، والعذاب لأعدائه. ونؤمن أن الأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول الكبرى التي دعوا إليها، فكلهم دعا إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكلهم دعوا إلى أصول العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأصول الأخلاق المحمودة، ونهوا عن أصول الأخلاق المذمومة، فالأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول، أما الشرائع التي دعوا إليها فمختلفة في أحكامها وتفاصيلها. ونؤمن أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام، وتصديقهم في كل ما أخبروا به من الغيب، وطاعتهم فيما أمروا به، والانتهاء عن كل ما نهوا عنه، ومحبتهم وتوقيرهم والاقتداء بهم، والشهادة لهم بأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا لله ولعباده، وجاهدوا في الله حق جهاده. ويجب على كل أمة العمل بشريعة الرسول الذي أرسل إليها، ويجب على هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من الجن والإنس العمل بشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مرسل إلى جميع الثقلين. وكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا لإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل، وإن كانوا في عز من الدنيا، وسلطان وقوة وبأس، وحرث ومصانع. ونؤمن أن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ونؤمن أن الله قد أرسل في كل أمة رسولا، فمن علمنا اسمه منهم وجب الإيمان به، ومن لم نعلم اسمه منهم نؤمن به إجمالا. فالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام واجب على كل مسلم ومسلمة، ومن كفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الأنبياء عليهم السلام. ونؤمن أن الله يرسل رسله إلى من شاء من عباده وفق ما تقتضيه حكمته، فلا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويختار. النبوة منة إلهية، ونؤمن أن النبوة منة إلهية ورحمة ربانية، يهبها الله لمن شاء من عباده، فالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. تفاضل الأنبياء، والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم متفاضلون، وأفضل أولي العزم الخليلان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان على سبيل الحمية والعصبية أو التنقص. وكما اتخذ الله إبراهيم ومحمدًا عليهما أفضل الصلاة والتسليم خليلين، فقد خص موسى عليه السلام بأن الله اصطفاه على الناس برسالاته وبتكليمه. وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد نال شرف مرتبة الخلة، وشرف أن كلمه ربه من وراء حجاب ليلة أُسري به صلى الله عليه وسلم، فيكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد نال شرف الخلة وشرف التكليم. ونؤمن أن الأنبياء أفضل البشر، ولا يبلغ أحد مرتبة النبي لا ولي ولا غيره، ولا يجوز تفضيل أحد البشر على أحد من الأنبياء، وليست النبوة كسبًا، ولا ينالها العبد بالاجتهاد بالطاعة، ولا بتزكية النفس والمجاهدة، وتطهير القلب وتنقيته، وتهذيب السلوك. ونؤمن أن الله لم يرسل إلا رجالًا. ونعلم أن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر كبقية البشر، لكنهم أكمل البشر في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم، فهم بشر مثل بقية البشر، لكنهم يوحى إليهم، وهم معصومون فيما يبلغونه عن أمر الله، وإذا اجتهد النبي فيما لم يوحَ إليه فيه شيء ولم يُصب، فإن الله لا يقره على اجتهاده، بل يتنزل عليه الوحي لتسديده. والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، مع أن لهم المنزلة العالية والدرجة الرفيعة والمقام المحمود في الدنيا والآخرة، وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فلا يملكون لغيرهم من باب أولى، وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حال حياتهم نفعًا ولا ضرًّا، فهم إذن من باب أولى لا يملكون لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا بعد وفاتهم، ولا يعلمون الغيب إلا على قدر ما أطلعهم الله عليه وأذن لهم فيه. والأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام يعبدون الله خوفًا وطمعًا، ويبتغون إليه الوسيلة، ويتقربون إليه سبحانه، ونؤمن أن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام يتعرضون لما يتعرض له البشر من البلاء والمرض، ويصيبهم الحزن والموت، وأن لهم أزواجًا وذرية، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ونعلم أن المسيح عليه السلام رفعه الله حيًّا لما أراد قومه قتله، ونشهد أنهم قد نصحوا للخلق، وأدوا الأمانة، وبلغوا رسالات ربهم، ولا يضرهم أن الأتباع لم يستجيبوا، ولا أن الملأ استكبروا عليهم. آيات الأنبياء، ونؤمن أن الله قد آتى كل نبي من الآيات والحجج ما على مثلها يؤمن البشر، ونؤمن أن الله ما بعث نبيًا إلا ومعه آية تدل على صدقه، سواء علمناها أو لم نعلمها. وقد ذكر الله لنا جملة في القرآن الكريم، ونعلم أيضًا أن هناك آيات كثيرة أيد الله بها رسله السابقين، ولم يذكرها الله لنا، وتارة يذكر الله الآيات البينات، وتارة يذكر السلطان، ونعلم أن الآيات والحجج التي أيد الله بها رسله وأنبياءه عليهم الصلاة والسلام كثيرة جدًا. وأعظم الأدلة الدالة على صدقهم هي ما يدعون إليه من التوحيد المستقر في الفطر، الذي تشهد العقول على حسنه، وما جاءوا به من العلم النافع والعمل الصالح، والهدى ودين الحق والميزان، وشهادة الله لرسله أنهم على الحق، وأن ما جاءوا به هو الحق. ومن أعظم آياتهم الوحي الذي يتنزل عليهم من الله، وأعظم الوحي هو القرآن العظيم، آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا الوحي لا يمكن أن يأتي البشر بمثله؛ لأنه كلام الله ووحيه، ولما فيه من الأنباء الغيبية، ولما فيه من الهدى والنور والرحمة والحكمة. ومما أيد الله به رسله عليهم السلام البراهين العقلية التي يمدهم الله بها، فتبهت الكافر وتزهق باطله. ومن أعظم آياتهم إخبار بالغيوب التي يأذن الله لهم في الإخبار عنها، ومنها نجاة الأنبياء السابقين عليهم السلام، ونجاة أتباعهم من مكر أعدائهم، وهلاك المعاندين المستكبرين، وتذكير الله للمدعوين بما فعل بالسابقين، وأن سنة الله ماضية، ومنها كمال خصالهم، وحسن أخلاقهم وأفعالهم وسيرتهم، وصدق أقوالهم، مما يمتنع معه عليهم الكذب، ومنها التواتر العظيم في نقل آيات الأنبياء وما جاءوا به من العلم والهدى ودين الحق، مما يستحيل معه أن يتواطؤوا على نقل الكذب، ومنها أنهم لا يطلبون أجراً على رسالاتهم، ولا يبتغون مُلكاً، ومنها أنه لا يوجد من قدح في نبوة الأنبياء إلا جاهل لم ينظر فيما جاءوا به من الدين والعلم والهدى، أو معاند مستكبر. ومن أعظم آياتهم ما يكون برهاناً حسياً تراه العيون، وتسلم له العقول، كغرق قوم نوح، وناقة صالح، وآيات إبراهيم كنجاته من النار، وتحدي هود أن يكيده قومه أجمعون، وآيات موسى، ومنها العصا، والجراد والقمل، والضفادع والدم، والطوفان، وغرق فرعون وقومه، وآيات داود عليه السلام كتسبيح الجبال، وإلانة الحديد. وآيات سليمان عليه السلام، وتسخير الريح والجن له، ومعرفته منطق الطير، وآيات المسيح عليه السلام، كشفاء الأبرص والأكمه والأعمى، وإحياء الموتى، وأنه كان يعمل من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه بإذن الله فيكون طيرًا، وآيات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة لا تحصى إلا بالكلفة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكثير الطعام، وحديث الذباب، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، ونصر الله له على أعدائه، ومن آيات الأنبياء حال النبي الداعي إلى الحق، فإن الناس يميزون بين الداعي إلى الحق الصادق في قوله، والمدعي الكاذب في قوله، إلى غير ذلك من الآيات. القرآن العظيم الآية الباقية، وآيات الأنبياء كلها اندثرت عدا القرآن العظيم، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهما باقيان؛ لأنهما وحي تكفل الله بحفظه، وفيهما أعظم الدلائل والبراهين على صدق الرسالة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم. ونؤمن أن الله يؤيد رسله عليهم الصلاة والسلام بما تقتضيه حكمته من الآيات والبراهين الكونية والشرعية، فيهدي الله من شاء بفضله، ويضل من شاء بعدله، ولكن المعاند لا تزيده الآيات إلا عنادًا واستكبارًا، ونشهد أن الله لو أراد لهدى الناس جميعًا. ونؤمن أن دلائل الأنبياء والآيات التي جاءوا بها والبراهين التي أمدهم الله بها، يستحيل أن يأتي بها مدعٍ للنبوة أو ساحر أو كاذب؛ لأن الله قضى ألا ينصر المبطل بدليل صحيح، ولا يصدق الكاذب ببرهان صادق؛ لأنه الحكيم في شرعه وأمره، وحكمة الله وسنته الجارية تمنع ذلك. خاتم الأنبياء، ونؤمن أن نبينا محمدًا ابن عبد الله هو رسول رب العالمين، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم، وهو خليل رب العالمين، ونعلم أنه أوتي من الآيات ما لم يؤت مثله أحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آياته القرآن الكريم، وأول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وأول ما أُنزل عليه منه صدر سورة العلق، وأُنزل عليه بعدها المدثر، ثم حمي الوحي وتتابع، وأنه مكث في مكة ثلاث عشرة عامًا يدعو إلى التوحيد، وأقام بالمدينة عشر سنوات يبين شرائع الله ويدعو إلى دينه ويجاهد في سبيله، حتى توفاه الله عن ثلاث وستين سنة بأبي هو وأمي. ونعلم أن من أعظم آياته بعد القرآن العظيم الإسراء والمعراج، ومن آياته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، وخصه الله بخصائص كثيرة، وهذه الخصائص ذكرها العلماء في ثنايا مصنفاتهم تارة، وتارة يفردون لها مصنفات مستقلة. ونؤمن أنه يجب على كل أحد من الجن والإنس الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ونؤمن بأنه يجب أن لا يُعبد الله إلا بما شرع، وقد حذر الحق من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، وأمر الحق بتوقيره ومحبته، وأنه يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى المرء من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين. ونؤمن أن الله قرن ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بذكره سبحانه في الشهادتين وفي الأذان، وقد استفاض ذكره صلى الله عليه وسلم في الكتب الإلهية السابقة وفي القرآن العظيم، وصنف أئمة الإسلام المصنفات المتنوعة في بيان سنته وسيرته وشمائله وأخلاقه وغزواته. رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة، ونؤمن أن الله أرسله إلى الخلق كافة، فهو رسول الله إلى الثقلين: الجن والإنس، وصرف الله إليه نفرًا من الجن يستمعون إليه ليكونوا منذرين من وراءهم من قومهم، ولتقوم الحجة عليهم، وأخذ الله الميثاق على كل نبي من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، لَئِن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به. ونؤمن أن الأنبياء بُشرت به أقوامها، ووردت صفاته صلى الله عليه وسلم وصفات أصحابه رضي الله عنهم في التوراة والإنجيل، وبشر به المسيح عليه السلام على وجه الخصوص بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومن علامات نبوته صلى الله عليه وسلم التي كانت معروفة عند أهل الكتاب خاتم النبوة على كتفه الشريف. دلائل عموم رسالته، ونشهد أن مما يدل على عموم رسالته أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الكتب إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم وتصديقه، ونؤمن أن الله زوى لنبيه صلى الله عليه وسلم الأرض، فرأى منها ما سيبلغ ملك أمته منها. ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أن نصارى نجران نكلوا عن مباهلته، وقبلوا أداء الجزية إليه وهم صاغرون، لعلمهم أنه نبي. ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إسلام كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، بل الآلاف المؤلفة من أهل الكتاب. ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أنه غزا الروم، وأمر أصحابه بجهاد الفرس والروم من بعده. ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أنه وعد سراقة بأنه سيلبس سوارَي كسرى، فلبسهما في خلافة عمر رضي الله عنه. الهداية منة إلهية، ونعلم علم اليقين أن الله اقتضت حكمته أن يهدي من يشاء بفضله، وأن يضل من يشاء بعدله، كما اقتضت حكمته أن يكون لكل نبي عدو، وأن يكون بين هؤلاء الأعداء تواصٍ على الباطل، وتوافق في مقالاتهم، فمقالة الملأ في كل أمة متماثلة، فتارة يقولون: إنه ساحر، أو كاهن، أو كاذب، وتارة ينكرون أن يكون أتاهم بآية، وتارة يزعمون أنه يفتري الكذب على الله، وتارة يصفونه بالجنون، وحاشا رسل الله عليهم السلام، وهم أكمل الناس عقولًا، وأزكاهم قلوبًا، وتارة يستعظمون ما يدعوهم إليه من الدعوة إلى عبادة الله وحده، وتارة يردون على النبي دعوته؛ لأنه بشر مثلهم، وتارة يطالبونهم بأمور ليست في قدرة الخلق، ولكنه الاستكبار والعناد. فَقَدْ طَالَبُوا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَفْجُرَ مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ يَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ، أَوْ يُسْقِطَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، أَوْ يَأْتِيَهُمْ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، أَوْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ يَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَيُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا. وَتَارَةً يُطَالِبُونَ النَّبِيَّ بِأَنْ يَأْتِيَهُمْ بِمَا يَعِدُهُمْ بِهِ، وَتَارَةً يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ لِأَتْبَاعِهِمْ: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ. وَتَارَةً يُقَابِلُونَ الرَّسُولَ بِالتَّكْذِيبِ، أَوْ يَتَّهِمُونَ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وَلَيْسَ الَّذِي يَأْتِيهِ وَحْيًا مِنَ اللَّهِ. وَقَدْ يَنْصَرِفُونَ عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ الضُّعَفَاءُ. وَتَارَةً يَسْخَرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ مِنَ الرُّسُلِ. وَتَارَةً يُخَادِعُونَ الرَّسُولَ، وَيَطْمَعُونَ فِي مُدَاهَنَتِهِ لَهُمْ، أَوِ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ. وَتَارَةً بِالتَّعْيِيرِ بِمَا يَعْلَمُ الْمُعَانِدُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ، كَمَا فِي تَعْيِيرِ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى بِالْكُفْرِ. وَتَارَةً يُهَدِّدُ الْمَلَأُ النَّبِيَّ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَحَاصَرَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَبَنِي هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ بَلَدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَاوَلَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْرَاقَهُ بِالنَّارِ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَحَاوَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ قَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قَتَلُوا. هَذَا هُوَ دَيْدَنُ الْمُسْتَكْبِرِينَ مَعَ الْمُرْسَلِينَ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ جَارِيَةٌ يَتَّبِعُهَا الْمَلَأُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ مَعَ الْمُصْلِحِينَ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.