الحديث رقم 113
نص الحلقة
في كتاب الجنائز أخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله لا ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله تبارك وتعالى عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. وأخرج البخاري ومسلم عن أم عطية نسيبة الأنصارية رضي الله عنها قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اغسلنها وتراً، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه فقال: أشعرنها إياه. وفي رواية قالت إنهن جعلن رأسها ثلاثة قرون، نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون. وفي أخرى قالت فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها. قوله أعطانا حقوة، الحقو الإزار، وقوله أشعرنها إياه أي لففنها فيه، ولهذا كان ابن سيرين رحمه الله يأمر بالمرأة أن تُشعر ولا تُؤزر. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قُبض وكُفن في كفن غير طائل، وقُبر ليلاً، فزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقبر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال في خطبته: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه. قوله كفن غير طائل أي كفن حقير غير كامل الستر. قال العلماء: وليس المراد بإحسان الكفن السرف فيه والمغالاة، وإنما المراد نظافته وكثافته وستره وتوسط. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها. قلت: إن هذا خلق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة. فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح رضي الله عنه وأرضاه. قوله: به ردع، أي لطخ وأثر، وثوب خلق، أي بالٍ غير جديد. والمهلة هي القيح والصديد الذي يسيل من جسد الميت. والسحولية من سحول، وهي قرية باليمن تنسب إليها الثياب. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، أي قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة. وفي رواية قالت: أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص. فرفع عبد الله الحلة فقال: أكفن فيها. ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكفن فيها؟ فتصدق بها. وأخرج البخاري عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم. وفي رواية: كان يجمع بين الرجلين والثلاثة. قال ابن حجر: الخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار مشهور. قال الترمذي: قال بعضهم: يُصلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يُصلى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد. وقال الشافعي في الأم: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد. وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والمخالف لا يقول: لا يُصلى على القبر إذا طالت المدة. قال: وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله، مودعاً لهم بذلك، ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت. انتهى. قال الماوردي عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. والمراد بالشهيد هنا قتيل المعركة في حرب الكفار، أما في حروب المسلمين كقتال أهل البغي، ومن سمي شهيداً لغير السبب المذكور. فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ شَهِيدٌ بِمَعْنَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ، لَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ عُقْبَةَ فِي بَابِ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَيْ مِنَ الْكَفَنِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَلَاقِي بَشَرَتِهِمَا، إِذْ لَا يَجُوزُ تَجْرِيدُهُمَا بِحَيْثُ تَتَلَاقَى بَشَرَتُهُمَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثِيَابُهُ الْمُتَرَطِّخَةُ بِالدَّمِ وَغَيْرُ مُتَرَطِّخَةٍ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتَيْنِ فَصَاعِدًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَفِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ أُمَيَّةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَتْ: أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ. قَالَ: أَوْسِعُوا الْقَبْرَ وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. قَالَ: فَمَاتَ أَبِي فَقُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلَيْنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.