الحديث رقم 384
نص الحلقة
كتاب بدء الخلق وصفات المخلوقات. أخرج البخاري عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم. قالوا: بشرتنا فأعطنا. مرتين. فرئي ذلك في وجهه. فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قالوا: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء، ثم أتاني رجل فقال: يا عمران، أدرك ناقتك فقد ذهبت. فانطلقت أطلبها، فإذا السراب ينقطع دونها، ويم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم. وأخرج البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. وأخرج مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا الفجر، وصعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس. فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ اسْتِعَابُ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ، وَاللهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَلِهَذَا تَكَلَّمَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ لَيْسَ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا، وَسَكَتَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَصِّ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ. الْمَارِجُ لَهَبُ النَّارِ الْمُخْتَلِطُ بِسَوَادِهَا. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ. فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي نَقْضِ التَّأْسِيسِ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْحَدِيثِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مُسْتَفِيضٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْكُورٌ فِيمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا انْتَشَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ جَعَلَ طَائِفَةٌ الضَّمِيرَ فِيهِ عَائِدًا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ فِي عَامَّةِ أُمُورِهِمْ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ. قَوْلُهُ: يَطِيفُ بِهِ أَيْ يَدُورُ حَوْلَهُ، وَالْأَجْوَفُ صَاحِبُ الْجَوْفِ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي دَاخِلُهُ خَالٍ، وَقَوْلُهُ: لَا يَتَمَالَكُ أَيْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَلَا يَحْبِسُهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ لَا يَمْلِكُ دَفْعَ الْوَسْوَاسِ وَالْغَضَبِ. والمراد جنس بني آدم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر. خنز اللحم يخنز بفتح النون وكسرها في ماضيه ومضارعه إذا أنتن وتغيرت ريحه. قال ابن الأثير: خيانة حواء آدم هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة لا في غيرها. وقال النووي: قال العلماء معنى قوله لولا بنو إسرائيل أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى نُهوا عن ادخارهما فادخروا ففسدا وأنتن، واستمر من ذلك الوقت، والله أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه سن القتل أولاً. وفي رواية: لأنه كان أول من سن القتل. ابن آدم الأول هو قابيل الذي قتل أخاه هابيل، فكان أول من سن القتل ظلماً، فسن سنة سيئة يبقى عليه وزرها، والكفل بكسر الفاء سكون: الحظ والنصيب. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وفي رواية النخل، بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح. فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يوحى إليه، فتأخرت حتى صعد الوحي. ثم قال: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. العسيب: الجريدة التي لا خوص فيها. قال ابن فارس: العسبان من النخل كالقضبان من غيرها. وسبق في باب التفسير وأسباب النزول أن الآية نزلت بمكة، وأن قريشا هم الذين سألوا، وسبق هنالك الجمع بين الروايتين. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وفي رواية يرفعه قال: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة. وذكر الحديث. قال النووي: قيل تعارفها توافق صفاتها وطبائعها التي جبلها الله عليها. وقال الخطابي وغيره: تأالفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار، والله أعلم.