الحديث رقم 385
نص الحلقة
في كتاب بدء الخلق وصفات المخلوقات، أخرج مسلم عن أم سليم رضي الله عنها أنها سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل. فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، قالت: هل يكون هذا؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه. وفي رواية عن عائشة أن أم سليم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث بمعناه، وفيه أن عائشة قالت: فقلت لها: أفّ لك، أترى المرأة ذلك؟ وفي رواية أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: نعم. فقالت لها عائشة: تربت يداك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. سبق للحديث رواية عند الشيخين عن أم سلمة في كتاب الطهارة في باب الغسل. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: فمن أيهما علا، هكذا هو في الأصول، فمن أيهما بكسر الميم، وبعدها نون ساكنة، وهي الحرف المعروف. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث شاء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك. قوله: صرف قلوبنا، هكذا في مطبوع مسلم، وعند الحميدي وابن الأثير: اللهم مصرف القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك. وأخرج البخاري ومسلم عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلة، فقال لهم: ألا تصلون؟ قال علي رضي الله عنه: فقلت يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئا. ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا. وأخرج مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يوم هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان. وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُ رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً. قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نَغْزُكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخلة أو الكذبة والشنظير الفحاش. وفي رواية قال: وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا. فقلت: فيكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها. قوله: كل مال نحلته عبدًا حلال، معناه نحلته أعطيته. وفي الكلام حذف، أي قال الله تعالى: كل مال إلى آخره. والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة وغيرها، وأنها لم تصر حرامًا بتحريمهم. وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق. وقوله: حنفاء، أي مسلمين، وقيل مستقيمين. والمقت أشد البغض. والمراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل. وقوله لا يغسله الماء معناه محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب. تقرأه نائمًا ويقظان، أي تقرأه في يسر وسهولة. وقوله لا زبر له، قال القاري في المرقاة: أي لا رأي ولا عقل كاملًا يعقله، ويمنعه عن ارتكاب ما لا ينبغي. وفي القاموس: الزبر العقل والكمال والصبر والانتهار والمنع والنهي. وقال التوربشتي: المعنى لا يستقيم عليه؛ لأن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يُحكم بأنه من أهل النار؟ وأرى الوجه فيه أن يفسر بالتماسك، فإن أهل اللغة يقولون: لا زبر له، أي لا تماسك له. والمعنى: لا تماسك له عندما تجيء الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشة، ولا يتورع عن حرام. قال القاري: قلت التماسك إنما هو من كمال العقل، وحاصل بالصبر، فيحمل على أحدهما. وقوله لا يتبعون بالعين المهملة مخفف ومشدد، من الاتباع، وفي بعض النسخ لا يبتغون بالموحدة والغين المعجمة. قال القاري: ومعنى لا يبغون أهلًا ولا مالًا، أي لا يطلبون زوجة ولا سرية ولا مالًا حلالًا من طريق الكسب الطيب، فأعرضوا عن الحلال وارتكبوا الحرام. قيل هم الخدم الذين يكتفون بالشبهات والمحرمات التي سهل عليهم مأخذها عما أبيح لهم. وقيل هم الذين يدورون حول الأمراء ويخدمونهم، ولا يبالون من أي وجه يأكلون ويلبسون، أمن حلال أم من حرام، ليس لهم ميل إلى أهل ولا مال، بل قصروا أنفسهم على المأكل والمشرب. قال الطيبي: تبع في بعض نسخ المصابيح مرفوع، كما في صحيح مسلم، على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ خبره الظرف، وفي بعضها منصوب كما في الحميدي وجامع الأصول، وهو حال من الضمير المستتر في الخبر، انتهى ملخصًا. والكلمة منصوبة في مطبوع مسلم. وسيأتي في باب الحشر والحساب حديث أربعة يحتجون يوم القيامة، ومنهم الأحمق، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، والصبيان يحذفونني بالبعر. وفي باب ذكر الجنة سيأتي قول الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وغرتهم، أي البله الغافلون. وقوله: لا يخفى له طمع، أي لا يظهر. قال أهل اللغة: يقال خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، هذا هو المشهور، وقيل هما لغتان فيهما جميعًا. وقوله: البخل أو الكذب هكذا في أكثر النسخ بأو، وفي بعضها والكذب بالواو، والأول هو المشهور. والشنظير فسره في الحديث بأنه الفحاش، وهو سيئ الخلق. قال النووي: قوله فيكون ذلك يا أبا عبد الله، السائل هو قتادة، وأبو عبد الله هو مطرف بن عبد الله الراوي عن عياض. وقوله: لقد أدركتهم في الجاهلية، لعله يريد أواخر أمرهم وآثار الجاهلية، وإلا فمطرف صغير عن إدراك زمن الجاهلية.