الحديث رقم 387
نص الحلقة
في كتاب بدء الخلق وصفات المخلوقات، أخرج مسلم عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: قد كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل، فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتًا: الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله أن يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ. وَقَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ. العوامر: الحيات التي تكون في البيوت. قال ابن حجر: اختلف في المراد بالثلاث، فقيل ثلاث مرات، وقيل ثلاثة أيام. ومعنى قوله: حرجوا عليهن، أي يقال لها: أنتِ في ضيق وحرج إلا بالثِّعْندَنَة، أو ظهرتِ لنا، أو عُدتِ إلينا. وقال النووي: ذهب طائفة من العلماء إلى عموم النهي في حيات البيوت بكل بلد حتى تُنذر، وأما ما ليس في البيوت فيُقتل من غير إنذار. وقال المازري: لا تُقتل حيات مدينة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإنذارها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت فيندب قتلها من غير إنذار، لعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بقتلها. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قول الله تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، قال: رأى جبريل له ستمائة جناح. وفي قوله: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، قال: رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء. هذه رواية البخاري. ولمسلم عن ابن مسعود في قوله: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، وفي قوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. وفي قوله تعالى: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال فيها كلها رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. زاد في قوله: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أي جبريل في صورته. قوله: قاب قوسين، أي قدر قوسين. قيل المراد القوس التي يرمى بها، وقيل المراد الذراع؛ لأنه يقاس بها. وحكى الهروي عن مجاهد: قاب قوسين، أي مقدار ذراعين. قال مجاهد: والقوس الذراع بلغة أزد شنوءة، والرفرف البساط، وكل ما فضل من شيء فثني وعطف فهو رفرف، ويقال لأطراف الثياب والبسط وفضولها رفارف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ولقد رآه نزلة أخرى، قال: رأى جبريل عليه السلام. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما كذب الفؤاد ما رأى، ولقد رآه نزلة أخرى، قال: رآه بفؤاده مرتين. وفي رواية قال: رآه بقلبه، ولقد رآه نزلة أخرى. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، ثم قام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: من هذا؟ أو كما قال. قالت: هذا دحية الكلبي. قالت: والله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل، أو كما قال. قال سليمان التيمي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد. وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ وفي رواية: ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا الآية. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت؟ قال أبو هريرة: فحدثت كعبًا، فقال: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله؟ قلت: نعم. قال لي مرارًا، فقلت: أفأقرأ التوراة؟ قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأن لحوم الإبل وألبانها محرمة على بني إسرائيل، وكأنه كان يظن ذلك قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا نسل له. وقوله: أفأقرأ التوراة، يقولها أبو هريرة لكعب الأحبار، أي كل ما عندي هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولست أقرأ التوراة ولا غيرها. وأخرج مسلم عن جابر قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت. قاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا عقب له. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والطبراني في الكبير، رحمهم الله، بسند صحيح عن ثابت بن وديعة الأنصاري. قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش، فأصبنا ضبابًا، فشويت منها ضبًّا فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعته بين يديه، فأخذ عودًا فعد به أصابعه، ثم قال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابَّ في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي. قال: فلم يأكل ولم ينه. وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: قال رجل يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مسخ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا. وفي رواية: إن الله عز وجل لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. المسخ بفتح فسكون: الممسوخ كخلق بمعنى مخلوق.