الحديث رقم 421
نص الحلقة
كتاب الإمامة والولايات، باب البيعة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقوم أو نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. الأثرة الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا، وقوله بواحاً أي ظاهراً بادياً، عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل. قال ابن حجر: قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيث كنتم. وقال غيره: المراد المعصية والكفر. فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر، والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعت، أو قال: استطعتم. قال النووي: هذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته، يلقنهم أن يقول أحدهم: فيما استطعت، لئلا يدخل في عموم بيعته ما لا يطيقه، وفيه أنه إذا رأى الإنسان من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له: لا تلتزم ما لا تطيق. وأخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: بايعوني، وفي رواية: أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وفي رواية: ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ. قال فبايعناه على ذلك. وفي أخرى: فَتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَزْنِينَ، الآية. وفي أخرى قال: إِنِّي لَمِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا، وذكر نحوه، وزاد: وَلَا نَنْتَهِبُ وَلَا نَعْصِي، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلِمُسْلِمٍ قال: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا. سبق الحديث في باب الحدود كفارات للذنوب، وهذه البيعة غير بيعة العقبة، فتلك كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره إلى آخره، وهذه كانت بعد الفتح؛ لأن الآية التي ذكرها عبادة هنا نزلت في فتح مكة، فهما بيعتان. قاله ابن حجر. وقوله: وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ، البهتان الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل لأن معظم الأفعال تقع بهما، وهي العوامل والحوامل. وقيل أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها. فلما استعمل في بيعة الرجال، احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا. قوله: ولا تعصوني في معروف، تنبيه على أن طاعة المخلوق إنما تجب في غير معصية الله. وقوله: بالجنة إن فعلنا ذلك، هذه رواية البخاري، ورواه مسلم بالفاء: فالجنة إن فعلنا ذلك. وقوله: لا يعضه بعضنا بعضًا، العظيهة: البهتان والكذب، ومنه الحديث: ألا أنبئكم بالعضه؟ هي النميمة القالة بين الناس، وهذا يقوي تفسير البهتان بالكذب في الرواية الأولى. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما. قال النووي: هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله، وسيأتي قريبًا اتفاق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا.