الحديث رقم 427

كتاب الإمامة والولايات · المدة 9:23 · المقطع 7 من 10

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب ما يجب على الولاة، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه. قوله حرفتي أي عملي الذي كنت أكتسب منه، وأراد باحترافه للمسلمين نظره في أمورهم وتثمير مكاسبهم وأرزاقهم، يقال هو يحترف لعياله أي يكتسب. وقال عمر: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف. وقال: أنا أخبركم بما أستحل، ما أحج عليه وأعتمر، وحلة الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فلم يجئ حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتنا. فأتيته فسألته فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني. فقلت له قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. فقال: أقلت تبخل عني؟ وأي داء أدوأ من البخل؟ قالها ثلاثا: ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك. فحثا لي حثية وقال: عدها، فوجدتها خمسمائة. قال: فخذ مثلها مرتين. وفي رواية قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من البحرين، فقال أبو بكر: من كان له على رسول الله عدة أو دين فليأتنا. قال جابر: فقلت وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة. مال البحرين هو مال الجزية، وكان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين العلاء بن الحضرمي. قال ابن حجر: فيه أن أبا بكر لما قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة. وبوّب عليه البخاري بقوله: باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع. وفيه قبول خبر الواحد العدل من الصحابة، ولو جر ذلك نفعا لنفسه؛ لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا. ويحتمل أن يكون أبو بكر علم بذلك فقضى له بعلمه، فيستدل به على جواز مثل ذلك للحاكم. وأخرج البخاري عن نافع أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبوه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه. وأخرج البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، خمسة آلاف، وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم. قوله: كان، أي في زمن أبي بكر الصديق، وعطاء البدريين هو المال الذي يعطاه كل واحد من أهل بدر كل سنة، وقول عمر: لأفضلنهم على من بعدهم، أي على غيرهم في المرتبة، يعني كانت عطياتهم كاملة بخلاف غيرهم، وأنا أيضًا لأفضلنهم على غيرهم وإن زدت على هذا المقدار. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير. فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة. زاد مسلم: ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال. قوله: يفرضوا، أي يقدروا له رزقًا في ديوان الجند، وكانوا يفرقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء، وهو الرزق الذي يجمع في بيت المال ويفرق على مستحقيه. واستدل بقصة ابن عمر على أن من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم. قاله ابن حجر. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن قدامة بن مظعون الجمحي رضي الله عنه قال: كنت إذا جئت عثمان بن عفان أقبض عطائي سألني: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإن قلت: لا، دفع إلي عطائي. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة بن فرقد، إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير، قال: إلا هكذا. ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه السبابة والوسطى وضمهما. عتبة بن فرقد صحابي مشهور، وكان أميرًا لعمر في فتوح بلاد الجزيرة، وهو الذي فتح أذربيجان سنة ثمان عشرة. وبين أبو عوانة قول عمر ذلك، فعنده في أوله أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خبيص عليها اللبود، والخبيص الحلواء المخبوصة، فلما رآه عمر قال: أيشبع المسلمون في رحاله من هذا؟ قال: لا. فقال عمر: لا أريده. وكتب إلى عتبة: إنه ليس من كدك الحديث. وأخرج مسلم عن الجريري عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال: يوشك أهل العراق ألا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يُجبى إليهم دينار ولا مُدّ. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر أمتي خليفة، وفي رواية: يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان يحثي المال حثيًا لا يعده عدًّا، وفي أخرى: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده، وفي أخرى: يعطي الناس بغير عد. قال الجريري: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان... أنه عمر بن عبد العزيز؟ قال: لا. القفيز والمد مكيالان لأهل تلك البلاد، وقوله يحثي حثيًا في رواية يحثو حثوًا، وهما لغتان. قال النووي: وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه.