الحديث رقم 426

كتاب الإمامة والولايات · المدة 9:24 · المقطع 6 من 10

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب ما يجب على الولاة، أخرج البخاري عن طارق بن شهاب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لوفد بزاخة تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة نبيه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أمراً يعذرونكم به. بزاخة موضع بالبحرين، أو ماء لبني أسد وغطفان، كانت فيه حرب أيام أبي بكر، وهؤلاء ارتدوا ثم تابوا، وأرسلوا وفدهم إلى الصديق يعتذرون إليه، فأخبرهم أنه سيشاور أصحابه فيهم ليروا رأيهم. وقوله تتبعون أذناب الإبل أي تبقون مع إبلكم في الصحراء، وقوله يعذرونكم به أي يكون سبباً لعذركم والعفو عنكم. وأخرج البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر قسم مروطاً بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي. فقال: أم سليط أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القِرَب يوم أُحد. المِرط كساء يُعتزر به، وكل ثوب غير مخيط، وسليط بفتح فكسر بوزن رغيف، وقوله تزفر القِرَب أي تحملها مملوءة، والزفر حمل القِرَب الثقال، والزفر الحمل. وزن ومعنى. وأخرج البخاري عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عمر إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما يمضغون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم. فوقف معها عمر ولم يمضِ، ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا، وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: اقتاديه، فليفن حتى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها. فقال عمر: تكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه. قولها: ما يمضغون كراعًا، أي ما يطبخون كراعًا لعجزهم وصغرهم، والكراع ما دون الكعب من الشاة. وقولهم: تأكلهم الضبع، الضبع هي السنة المجدبة. وقوله: نسب قريب، يحتمل أن يريد قرب نسب غفار من قريش؛ لأن كنانة تجمعهم، أو أنها انتسبت إلى شخص معروف. وقوله: بعير ظهير، قوي الظهر معدّ للحاجة. وقوله سهمانهما جمع سهم، أي هما فتحاه، ونحن الآن ننتفع بثمرة جهدهما. وأخرج مسلم عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة. فقام رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى. المخيط الإبرة، والغلول الخيانة مطلقًا، ثم غلب اختصاصه بالخيانة في الغنيمة والفيء والسرقة منهما. وأخرج أبو داود والطبراني بسند حسن عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيًا، ثم قال: انطلق، وفي رواية: انظر أبا مسعود، لا ألفينك تجيء يوم القيامة على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته. قال: فقلت: إذن لا أنطلق. قال: إذن لا أكرهك. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء قال: يا رسول الله، هذا لكم وهذا أُهدي لي. فقال له: أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى إليك أم لا؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه، وفي رواية: لا يغل أحدكم منها شيئًا إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه، يقول: اللهم هل بلغت؟ قال البغوي في شرح السنة: قال الخطابي: وفي قوله: هل لا جلس في بيت أمه أو أبيه، فينظر، دليل على أن كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور، وكل دخيل في العقود ينظر هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا. وقال النووي في شرح مسلم: فيه بيان أن هدايا العمال حرام وغلول، ولهذا ذُكر في عقوبتها مثل ما ذُكر في الغال، وقد بين صلى الله عليه وسلم سبب تحريمها، وهو أنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة، وقد سبق بيان حكم ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية، وأنه يرده إلى مهديه. فَإِنْ تَعَذَّرَ فَإِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ. قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ. قَوْلُهُ: غَيْرُ مُشْرِفٍ، أَيْ غَيْرُ مُتَطَلِّعٍ إِلَيْهِ وَلَا طَامِعٍ فِيهِ. وَعَمَّلْتُ الْعَامِلَ: أَعْطَيْتُهُ عُمَالَتَهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهِيَ أُجْرَتُهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: لَوْ كَانَ عَلِيٌّ ذَاكِرًا عُثْمَانَ بِسُوءٍ ذَكَرَهُ يَوْمَ جَاءَهُ نَاسٌ يَشْكُونَ إِلَيْهِ سُعَاةَ عُثْمَانَ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ: اذْهَبْ بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَى عُثْمَانَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ فِيهِ صَدَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ. فَمُرْ سُعَاتَكَ يَعْمَلُونَ بِهَا، فَأَهْدَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ أَغْنِهَا عَنَّا، فَأَتَيْتُ بِهَا عَلِيًّا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لَا عَلَيْكَ، ضَعْهَا حَيْثُ وَجَدْتَهَا. قوله: أغنها عنا، أي اصرفها وكفها عنا. قال سفيان بن عيينة: لم يجد علي بدًّا حين كان عنده علم منه أن ينهيه إليه. قال: ونرى أن عثمان إنما رده لأن عنده علمًا من ذلك فاستغنى عنه.