الحديث رقم 56
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه. هذه رواية البخاري. ولمسلم أن رجلاً نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، فلقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه. وفي أخرى له عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلاً على عائشة فاحتلمت في ثوبي فغسلتهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها، فبعثت إليَّ عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئاً؟ قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الكبير بسند حسن عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناء، وكنت أكثر منه الاغتسال، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب الثوب منه؟ فقال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب من ثوبك. باب آداب قضاء الحاجة. أخرج البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فلما قدمنا الشام وجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة. وللبخاري أن ابن عمر كان يقول: إن ناسا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. قال الحافظ ابن حجر: جاء عن جابر عند أحمد وغيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء. ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة. والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي، بل محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم لمبالغته في التستر. ورؤية ابن عمر له كانت عن غير قصد، وكذا رؤية جابر، ودعوى خصوصية ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم لا دليل عليها. والخصائص لا تثبت بالاحتمال، وبالتفريق بين البنيان والصحراء قال الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة. وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد. وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه، وفي رواية: ثم يغتسل منه. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبولن أحدكم في جحر، وفي رواية: نهى أن يبال في الجحر. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله. فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، ثم قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا. وفي رواية: لا يستبرئ من البول، وفي أخرى: لا يستنزه عن البول. وأخرج البخاري عن أبي هريرة. قال: اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج لحاجته، وكان لا يلتفت، فدنوت منه، فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، أو نحوه، ولا تأتني بعظم ولا روث. فأتيته بأحجار بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قضى أتبعه بهن. وفي رواية: حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا. قوله: ابغني أحجارًا، أي اطلب لي أحجارًا، وأستنفض بها، أي أزيل الأذى. تقول: نفضت الثوب إذا أزلت غباره عنه. ونصيبين: مدينة معروفة بين الموصل والشام. وأخرج مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو روثة. وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. وفي رواية قال: قال له المشركون: إن نرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة، فقال: أجل، إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار. وأخرج مسلم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا من الناس. وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل. الهدف كل شيء مرتفع، ومنه الهدف المتخذ للرمي، والحائش هو الحائط من النخل، وهو ما كان عليه جدار. وأخرج البخاري ومسلم عن حذيفة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه. فدنوت حتى كنت عند عقبيه، حتى فرغ ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ ومسح على خفيه. وفي رواية عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة، ويقول إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه صلى الله عليه وسلم حتى فرغ. السباطة هي الموضع الذي تُرمى فيه الأوساخ وما يُكنس من المنازل. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل، وفي رواية: إذا أراد أن يدخل الخلاء، يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. الخبث. بضم الباء وإسكانها وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث. قال الخطابي: الخبث بضم الباء جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة. قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل الخبث بسكون الباء الشر، وقيل الكفر، وقيل الشياطين، والخبائث المعاصي. قال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب المكروه من كل شيء. قال النووي: وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء.