الحديث رقم 182

كتاب النكاح · المدة 8:44 · المقطع 2 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب المحرمات من النساء، أخرج أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله. قال ابن خويز منداد فيما نقله القرطبي: إنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق، أما من لم يشتهر بالفسق فلا. وأكثر العلماء على أن معنى لا ينكح: أي لا يرغب الزاني المجلود إلا في مثله، والزانية لا ترغب في نكاح غير العاهر. والحديث موافق لقول الله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة إلى قوله: وحرم ذلك على المؤمنين. قال في عون المعبود: قال المنذري: وللعلماء في الآية أقوال، أحدها أنها منسوخة، قاله سعيد بن المسيب والشافعي، وقال غيره: الناسخ لها وأنكحوا الأيامى منكم، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وعلى هذا أكثر العلماء. يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها. وقيل المراد بالنكاح في الآية الوطء، وقيل إنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيف على الزانية. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت. الأيم هي الثيب، والاستئمار طلب الأمر من قبلها، وأمرها لا يكون إلا بنطق. وأما الاستئذان فهو طلب الإذن، وقد يُعلم إذنها بسكوته. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها وإذنها صماتها. وفي رواية: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها، وربما قال: وصمتها إقرارها. قال القاضي: اختلفوا في قوله أحق من وليها، هل هي أحق بالإذن فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند الشعبي والزهري وأبي حنيفة بهما جميعًا. قالوا: وليس الولي من أركان صحة النكاح بل من تمامه. قال النووي: قوله أحق بنفسها يحتمل أن المراد أحق في كل شيء من عقد وغيره، ويحتمل أنها أحق بالرضا، لكن لما صح قوله لا نكاح إلا بولي مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي تعين الاحتمال الثاني، أي أنها أحق بالإذن فقط. وأخرج البخاري عن القاسم بن محمد أن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبد الرحمن ومجمع ابني جارية، فقالا: فلا تخشي، فإن خنساء بنت خذام أنكحها أبوها وهي كارهة، فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وفي رواية عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد ابن جارية الأنصاري. عن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، وفي لفظ: وهي كارهة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. وأخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نكاح إلا بولي. قال الخطابي في معالم السنن: فيه نفي ثبوت النكاح إلا بولي، وقد تأوله بعضهم على نفي الكمال، وهذا تأويل فاسد؛ لأن النفي في المعاملات يوجب الفساد؛ لأنها ليس لها إلا جهة واحدة، وليست كالعبادات والقرب التي لها جهتان من جواز ناقص وكامل. وقال البغوي في شرح السنة: العمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين. وفي رواية بعد سنتين ولم يحدث شيئًا، وفي رواية ولم يحدث شهادة ولا صداقة. انتهى. هذه الرواية عارضها ما رواه ابن ماجه والترمذي والدارقطني وغيرهم عن حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد. وقال الدارقطني: هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عباس. وقال مثل هذا الإمام أحمد. وقال الترمذي: قال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. وقال الخطابي والبغوي عن حديث ابن عباس: ليس له وجه إن صح إلا أن تكون عدتها قد تطاولت باعتراض سبب حتى بلغت هذه المدة. قال البغوي: إذا أسلم الزوجان المشركان معًا دام النكاح بينهما، وكذلك إذا أسلم الزوج وتخلفت المرأة وهي كتابية، فأما إن كانت غير كتابية أو أسلمت وتخلف الزوج على أي دين كان، فاختلف أهل العلم فيه، فذهب جماعة إلى أنه إن كان قبل الدخول بها تتنجز الفرقة، وإن كان بعد الدخول توقف على انقضاء العدة، فإن أسلم المتخلف منهما قبل انقضاء عدة المرأة فهما على النكاح، وإن لم يسلم وقعت الفرقة باختلاف الدين، وذهب جماعة إلى أن الفرقة تتنجز بينهما إذا أسلم أحدهما بنفس الإسلام. وروي أن جماعة من النساء رددهن النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول على أزواجهن. عند اجتماع الإسلامين بعد اختلاف الدين والدار، منهن زوجة صفوان بن أمية، وزوجة عكرمة بن أبي جهل. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار فأعنني على مهرها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا. وفي رواية قال: هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئًا. قال: قد نظرت إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: على أربع أواق؟ كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، فبعثه معهم. قوله في أعين الأنصار: قيل المراد صغر، وقيل زرقة، وفيه جواز ذكر مثل هذه للنصيحة، وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء. قال النووي: وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة، وإنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط، ولا يشترط رضاها، بل له أن ينظر في غفلتها. وقوله من عرض الجبل أي ناحيته، وفي الحديث كراهة إكثار المهر.