الحديث رقم 192
نص الحلقة
في كتاب النكاح، باب الطلاق، أخرج البخاري رحمه الله عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس، فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس، وآثرتك بها فزوجتكها، ثم طلقتها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي تأتيني تخطبها مع الخطاب؟ والله لا أنكحتكها أبدًا. قال: ففي نزلت هذه الآية: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. وفي رواية نحوه، وفيها: فحمي معقل من ذلك أنفًا، وقال: خل عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها، فحال بينه وبينها، فأنزل الله هذه الآية، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه، فترك الحمية واستقاد لأمر الله. قوله: حمي من الحمية وهي الأنفة، كما قال آخرًا: فترك الحمية. واستقاد أي انقاد وامتثل. قال ابن حجر: وقد أجمعوا على أن الحرة إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ما دامت في العدة ولو كرهت المرأة، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة صارت أجنبية، فلا تحل له إلا بنكاح جديد. واختلفوا بم تكون الرجعة، فقال الأوزاعي: إذا جامعها فقد راجعها. وجاء ذلك عن بعض التابعين، وبه قال مالك وإسحاق، بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعي وزادوا: ولو لامسها بشهوة. وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إلا بالكلام. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها، فأبيت. فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلقها. وفي رواية قال: أطع أباك. في الحديث أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد، فعليه أن يطيعه. حكاه ابن تيمية عن الإمام أحمد وغيره. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: طلق رجل زوجته فتزوجت زوجًا غيره فطلقها، وكان معه مثل الهدبة، فلم تصل منه إلى شيء تريده، فلم تلبث أن طلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني، وإني تزوجت زوجًا غيره فدخل بي، فلم يكن معه إلا مثل هذه الهدبة، فلم يقربني إلا هنة واحدة لم يصل مني إلى شيء، أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته. وفي رواية قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي. وفي رواية طلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة. لهدبة أخذتها من جلبابها، وأبو بكر جالس عنده، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم. فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. قولها هنة، الهنة ويقال هنة كلمة يُكنى بها عما يُستحيا من ذكره، ورُويت هبةً واحدة، بالباء الموحدة، ومعناها مرة واحدة. قال أبو عبيد: العسيلة لذة الجماع، والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلاً. وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. ولمسلم قال: فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: مُره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله. وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة فحُسبت من طلاقها. وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وللبخاري قال ابن عمر: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة، ولمسلم أنه طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة، وذكر نحوه. وقال في آخره: وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أن تطلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك. قال مسلم: جود الليث في قوله تطليقة واحدة. وفي أخرى له عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق، فقال: طلقتها وهي حائض، فذُكر ذلك لعمر فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مُره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، فراجعتها ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقتها وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت. قال ابن تيمية: إن طلقها في الحيض أو طلقها بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها، فهذا الطلاق محرم، ويسمى طلاق البدعة، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع. وهذا الطلاق المحرم هل يقع أو لا يقع؟ سواء كانت واحدة أو ثلاثًا، فيه قولان معروفان للسلف والخلف. وأخرج البخاري عن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأة واحدة أو مئة أو ألفًا بعد أن تختارني. ولقد سألت عائشة فقالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أفكان ذلك طلاقًا؟ وفي رواية قالت: خيَّرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يُعَدَّ ذلك علينا شيئًا. قال الحافظ ابن حجر: وبقول عائشة المذكور يقول جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو أن من خيَّر زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق، لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقةً واحدةً رجعيةً أو بائنًا أو يقع ثلاثًا، ثم فصَّل في ذلك.