الحديث رقم 190

كتاب النكاح · المدة 8:44 · المقطع 10 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب عشرة النساء أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا نعزل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل. ولمسلم قال: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا. وفي أخرى له أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية وهي خادمنا وسانيتنا في النخل، وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل. فقال له: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها. فلبث الرجل ما شاء الله ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حملت. فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدِّر لها. وفي أخرى نحوه وفيه لما قال: يا رسول الله حملت، قال: أنا عبد الله ورسوله. قوله: هي خادمنا، الخادم يستوي فيه الذكر والأنثى، والثانية البعير الذي يسقي النخل شبهها به في ذلك. وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها أو على أولادها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان ذلك ضاراً ضر فارس والروم. وفي رواية: إن كان لذلك فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم. وأخرج مسلم عن جدامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة. فَنَظَرْتُ في الروم وفارس، فإذا هم يُغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا. ثم سألوه عن العزل، فقال صلى الله عليه وسلم: ذلك الوأد الخفي. ذكر مسلم رحمه الله اختلاف الرواة في جُدامة: أهي بالدال المهملة أم بالذال المعجمة؟ فقال: هي بالدال المهملة، وهكذا قال جمهور العلماء. والجيم مضمومة بلا خلاف، وهي أخت عكاشة بن محصن الأسدي لأمه. وبوّب مسلم على الحديث بقوله: باب جواز الغيلة وكراهة العزل. واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث، فقيل: هي أن يجامع امرأته وهي مرضع، وقيل: أن ترضع المرأة وهي حامل. قال النووي: يُجمع بين الروايات، يعني في العزل، بأن النهي محمول على كراهة التنزيه، والإذن محمول على نفي الحرمة لا نفي الكراهة. وقال ابن حجر: الجمع ممكن، وأطال في تفصيل ذلك رضي الله عنهما وعن جميع أئمة المسلمين وعلمائهم. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن والبغوي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر أن عمر رضي الله عنه قال: ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن؟ لا تأتيني وليدة، يعترف سيدها أنه قد ألم بها، إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد أو اتركوا. وفي رواية: فأرسلوهن بعد أو أمسكوا. قال في مرقاة المفاتيح: قال ابن الهمام: إذا ولدت الأمة من مولاها فلا يثبت نسبه منه إلا أن يعترف به، وإن اعترف بوطئها، وهو قول الثوري والبصري والشعبي وهارون، وهو المروي عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل. وقال مالك والشافعي وأحمد: يثبت إذا أقر بوطئها وإن عزل عنها، ودليلهم حديث عائشة: الولد للفراش، وفي رواية: لصاحب الفراش، وللعاهر الحجر، وسيأتي إن شاء الله في باب النسب. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة قط، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد. قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة عجوز، فقال: إني رُزقت حبها. وفي رواية قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد. قالت: فغرت. قولها: ما غرت على أحد، على بمعنى من، أي من أحد، أو سببية، أي بسبب أحد. وقوله: ارتاح لذلك، رُوي بالعين بمعنى فزع، وجاء في بعض الروايات: ارتاحا بالحاء المهملة، أي اهتز لذلك سروراً. وفي الحديث فضائل عظيمة يطول بيانها جداً لخديجة رضي الله عنها، وسيأتي في كتاب الفضائل أنها أفضل نساء هذه الأمة على الإطلاق. وقال النووي: فيه دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب حياً وميتاً، وإكرام معارفه. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه. قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة. قال قتادة: قلت لأنس وكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين. قال ابن حجر: ومع كونه صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لله، كان يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة، فإنه كان لا يجد ما يشبعه غالبًا، وإن وجد آثر بأكثره، ويصوم كثيرًا ويواصل، ومع ذلك يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن التابع لما يتقوى به من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة أو معدومة، ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن. ثم ذكر عشرة أوجه في الحكمة من استكثاره صلى الله عليه وسلم من النساء. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، نزلت في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني، لا تطلقني ثم تزوج غيري، وأنت في حل من النفقة عليَّ والقسمة لي. قالت: فذلك قوله: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير. وفي رواية قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه، كبرًا أو غيره، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني واقسم لي ما شئت. قالت فلا بأس إذا تراضيا، ولمسلم قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلعله أن لا يستكثر منها، وتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها، فتقول له: أنت في حل من شأني، يصالحها أن يتصالحا، يعني الزوجين، وقرئ يصلحا، وكلاهما سبعية متواترة. ومثل المذكور في الحديث ما فعلت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها إذ وهبت يومها وليلتها لعائشة، تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم قريبًا في باب القسم. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها. وفي رواية: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه. قوله: أعظم الأمانة على حذف مضاف، أي أعظم خيانة الأمانة. وقوله: يفضي إلى امرأته، أي يجامعها، والإفضاء إلى شيء هو الوصول إليه. قال النووي: وفي هذا الحديث تحريم إفشاء ما يجري بينهما من الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، فأما مجرد ذكر الجماع فيكره لغير حاجة، فإن كان لحاجة كأن تدعي عليه العجز فلا كراهة، كما قال صلى الله عليه وسلم: إني لا أفعله أنا وهذه، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: أعرستم الليلة؟ وقال لجابر: الكيس الكيس، والله أعلم.