الحديث رقم 183
نص الحلقة
أخرج أحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما. قال: فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهما كرها ذلك، فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فإني أنشدك. كأنها عظمت ذلك عليه. قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من موافقتها. قوله: يؤدم بينكما، أي يؤلف بينكما. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والبزار والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل. قال: فخطبت جارية من بني سلمة، فكنت أختبئ لها تحت الكرب حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. الكرب: أصول السعف الغلاظ العراض. وهذه الأحاديث في النظر إلى المخطوبة دالة على تغطية النساء لوجوههن، وحرمة نظر الرجال الأجانب إليهن إلا بإذن شرعي، ولو كانت مكشوفة أو يجوز نظر الرجال إليها لم يكن حاجة ولا معنى لأن يؤذن للخاطب لينظر. ولا يختبئ لها ليتمكن من ذلك. ومثله حديث جرير في نظر الفجأة، وحديث ابن مسعود في منع المرأة أن تصف لزوجها امرأة أجنبية كأنه ينظر إليها. ولهذا فالمذاهب الأربعة مجمعون على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، كما نقل الإجماع غير واحد، وسيأتي ذلك إن شاء الله في باب الغيرة والحجاب وغض البصر. باب الصداق. أخرج مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّا. قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم. النش هو النصف من كل شيء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر يوماً فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله كان أولىكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية. وإن الرجل لا يغني بصدقة المرأة حتى تكون لها عداءً في نفسه. سبق طرف من الحديث في كتاب الجنائز، والصدقة بالضم المهر، والأوقية قال ابن الأثير هي في الحديث أربعون درهماً، لكن الآن تختلف باختلاف أرتال البلاد. ورجل مع اختلاف مقاديره ثلاثة عشرة أوقية. وقال القاري: فإن قلت نهيه عن المغالاة مخالف لقول الله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا، قلت: النص يدل على الجواز لا على الأفضلية. وأخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك. فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه، أي رفعه وخفضه، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه. وفي رواية: فخفض فيها البصر ورفعه فلم يردها. فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. قال: فهل عندك من شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا. فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر ولو خاتمًا من حديد. فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري. قال سهل: ما له رداء، فلها نصفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء. فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم موليًا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، عددها. قال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: إذا فقد ملكتكها بما معك من القرآن. وفي رواية: انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن. قال النووي: فيه جواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وفيه جواز لبس الرجل ثوب امرأته برضاها. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع أن ابنةً لعبد الله بن عمر، وأمها بنت زيد بن الخطاب، كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات عنها ولم يقربها، وكان لم يسمِّ لها صداقًا، فابتغت أمها صداقها، فقال لها ابن عمر: لا صداق لها، ولو كان لها صداق لم نمسك ولم نظلمها، فأبت أمها أن تقبل منه ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث. ولابن أبي شيبة قال: ليس لها صداق، ترث وتعتد. قال البغوي: اختلف العلماء فيما إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول هل تستحق المهر؟ فذهب جماعة إلى أنه لا صداق لها ولها الميراث وعليها العدة، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. وذهب جماعة إلى أن لها مهر مثلها، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق، امرأة منا، مثل ما قضيت. ففرح بها ابن مسعود، وقال الشافعي: فإن كان يثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يثبت فلا مهر لها ولا الميراث. وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن بسند حسن عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور في النكاح وجب الصداق. قال الباجي: أرخيت الستور معناه عند مالك إذا خلا بها وادعت المسيس فقد وجب الصداق، ولم يرد أن الصداق يجب بنفس الخلوة وإن عرى من المسيس. وقد أحكم كتاب الله هذا في قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم. وبهذا قال ابن عباس وابن مسعود وطاوس، وبه قال الشافعي في الجديد، وهو قول ابن سيرين، وقال أبو حنيفة: يكمل الصداق بنفس الخلوة. وبه قال من الصحابة عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، ومن التابعين الزهري وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح، رحمهم الله جميعا، وألحقنا بهم في جنات النعيم.