الحديث رقم 193

كتاب النكاح · المدة 8:41 · المقطع 13 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الطلاق أخرج مسلم عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. وفي رواية عنه أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وفي أخرى أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم. قوله تتايع، بالياء، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالباء الموحدة: تتابع، وهما بمعنى واحد، لكن الأولى خاصة بالشر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثا، أو عشر طلقات، أو مئة طلقة، أو ألف طلقة، ونحو ذلك من العبارات، فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، ومنهم من فرق بين المدخول بها وغيرها. أحدها أنه طلاق مباح لازم. وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة عنه. الثاني أنه طلاق محرم لازم، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، واختارها أكثر أصحابه. وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم. الثالث أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم، وهو قول داود وأكثر أصحابه، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد. ثم قال: والقول الثالث أي أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، ولا نعرف أن أحدا طلق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فألزمه النبي صلى الله عليه وسلم بالثلاث، ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن، بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث، بل موضوعة، بل الذي في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس أنه قال وذكر حديثنا هذا، وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا. قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت. قال: فرجعها، وقد أخرجه. أبو عبد الله المقدسي في كتابه المختارة الذي هو أصح من صحيح الحاكم، وفصل شيخ الإسلام في ذلك وأطال رحمه الله. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده. وفي رواية: من خبب خادماً على أهلها فليس منا، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا. خببها أي خدعها وأفسدها. قال القاري: بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته أو محاسن أجنبي عندها، وفي معناهما إفساد الزوج على امرأته والجارية على سيدها. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من حرم امرأته فليس بشيء. وفي رواية قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها. وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. وفي أخرى عن ابن عباس أنه كان يقول في الحرام: يمين يكفرها. قوله في الحرام أي إذا حرم على نفسه ما يحل له، كقوله: اللحم علي حرام، أو قال: زوجتي علي حرام. وهذا إذا لم ينو الطلاق، فإن نوى الطلاق وقع كما نوى. قال النووي: وقد اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، فمذهب الشافعي: إن نوى طلاقها كان طلاقاً، وإن نوى الظهار كان ظهاراً، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين. والثاني أنه لا غرم لا شيء فيه، والمشهور من مذهب مالك أنه يقع به ثلاث طلقات. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن خارجة بن زيد أنه كان جالسًا عند زيد بن ثابت، فأتاه محمد بن أبي عتيق وعيناه تدمعان، فقال له زيد: ما شأنك؟ فقال: ملكت امرأتي أمرها ففارقتني. فقال له زيد بن ثابت: ما حملك على ذلك؟ فقال له: القدر. فقال زيد: فارتجعها إن شئت، فإنما هي واحدة وأنت أملك بها. باب العدة والإحداد. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا. قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا. قال ابن بطال: الإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها. باللباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام، لما يغلب من الحزن والوجد، وليس ذلك واجبًا، لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. ودلالة الحديث أنه يعم كل ميت غير الزوج، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا. وأخرج البخاري ومسلم عن أم عطية رضي الله عنها قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار. وفي رواية قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار. وللبخاري قال: توفي ابن لأم عطية، فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به، وقالت: نُهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا بزوج. ثوب عصب هو من البرود الذي صبغ غزله، والكست ويقال القسط، طيب معروف يتبخر به، وكذلك الأظفار، وقيل هما شيء واحد.