الحديث رقم 320
نص الحلقة
باب فضل الذكر. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه البخاري معلقًا، وأخرجه مسلم مسندًا. قال النووي: اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعًا، فعلى قول الجمهور إنه مكروه يكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال. انتهى. واستدل البخاري بهذا الحديث على جواز قراءة القرآن للحائض، وكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه. واستدل أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. وقال ابن حجر: تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث كان يذكر الله على كل أحيانه. قال: وأما حديث ابن عمر مرفوعًا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن، فضعيف من جميع طرقه. وقال النووي: واعلم أن العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله سبحانه وتعالى ويقرأ القرآن ويجامع، ولا كراهة في شيء من ذلك. وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، وفي رواية: ومنَّ علينا بك. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة. قوله: يباهي بكم الملائكة، قال النووي: معناه يُظهر فضلكم لهم، ويريهم حسن عملكم، ويثني عليكم عندهم، يقال: فلان يباهي بكذا، أي يفاخر به، ويظهر محاسنه. وقال القاري: قيل معنى المباهاة. قيل معنى المباهات بهم أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده، ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر، فاستحقوا أن يُمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه، وإنما هي منكم كالتنفس منهم، ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادةً، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. فيقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة. فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً. وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ. فيقول: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يقولون: لا والله ما رأَوْهَا. فيقول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قال: يقولون: لو رأَوْهَا كانوا أشدَّ منها فرارًا وأشدَّ لها مخافةً. فيقول: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قال: يقول: مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قال: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قال: فَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قالوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قال: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لَا يَا رَبِّ. قال: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قال: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قال: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: لَا. قال: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قالوا ويستغفرونك، فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. فيقولون: ربنا فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم. فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. قوله يمجدونك أي يسبحونك ويعظمونك. وقوله سيارة معناه سياحون في الأرض. وقوله فضولًا ضبطوه على خمسة أوجه. قال النووي: أرجحها وأشهرها في بلادنا فضولًا بضم الفاء والضاد، والثانية بفتح الفاء وإسكان الضاد، فضلًا. قال القاضي: هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا، أي هنالك في المغرب. قال العلماء: معناه على جميع الروايات أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر.