الحديث رقم 328

كتاب الذكر والدعاء · المدة 8:24 · المقطع 10 من 14

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الاستغفار والتوبة وسعة رحمة الله، أخرج أحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. قوله: نكت، النكت الأثر في الشيء، وقوله: ران على قلبه أي غطى، وقيل غلب. وأخرج الشيخان عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني. وقد سبق الحديث بطوله في باب المغازي والسير، لقوله: أبلاه الله أي أنعم عليه. وأخرج مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا. فقالت يا رسول الله أصبت حَدًّا فأقمه علي، فدعا نبي الله وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. قال عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: لقد حجرت واسعًا، يريد رحمة الله. قوله حجرت بمعنى ضيقت، ورحمة الله واسعة، والقائل يريد رحمة الله بعض رواة الحديث، وكأنه أبو هريرة، قاله ابن حجر. باب كيفية الدعاء وأدعية النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له. وفي رواية: إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقول: اللهم إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له. وللبخاري: لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له. ولمسلم: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له. وفي أخرى له: إذا دعا أحدكم فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه. قوله: لا مستكره له ولا مكره له معناهما واحد، والمراد أن التعليق بالمشيئة لمن يتصور إكراهه فيخفف عليه، والله منزه عن ذلك جل وعلا. وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء. قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم أعطني إن شئت. وقال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه، يعني من التقصير، فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون. وقال الداودي: معنى قوله: ليعزم المسألة أن يجتهد ويلح. وقال ابن حجر: معنى قوله: وليعظم الرغبة، أي ليبالغ في دعائه بالتكرار والإلحاح. ويحتمل أنه أمر بطلب الشيء العظيم، ويؤيده قوله: فإن الله لا يتعاظمه شيء. وأخرج أبو داود والنسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير والحاكم والضياء المقدسي رحمهم الله جميعًا بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو وأشير بإصبعيَّ، فقال: أحِّد أحِّد، وأشار بالسبابة. ورواه أحمد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة، ولفظه عند ابن أبي شيبة: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا وهو يدعو بإصبعيه كلتيهما، فنهاه وقال: بإصبع واحدة باليمنى. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه فركبه ثم بعثه، فتلدن عليه بعض التلدن، فقال له: شأ، لعنك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا اللاعن بعيره؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون. لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم. بواط بضم الباء وفتحها، والواو مخففة، جبل من جبال جهينة، وقوله: عقبة رجل أي نوبته. وتلدن عليه أي تلكأ وتوقف، ويقال شأت بالبعير إذا زجرته وقلت له شاء شاء ليتحرك ويمشي. ومع قلة الظهر وشدة حاجتهم إليه منعهم صلى الله عليه وسلم منه لما دعا عليه. وفيه النهي عن لعن الدواب. وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ قال: فدعا الله له فشفاه. قوله خفت أي ضعف، ومنه ضوء خافت أي ضعيف. قال النووي: وأظهر الأقوال في حسنة الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي حسنة الآخرة أنها الجنة والمغفرة.