الحديث رقم 202
نص الحلقة
كتاب الأطعمة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. ولمسلم قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب طعامًا قط، كان إذا اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه سكت. قال النووي: هذا من آداب الطعام المتأكدة، وعيب الطعام كقوله: مالح، قليل الملح، حامض، رقيق، غليظ، غير ناضج، ونحو ذلك. وأما حديث ترك أكل الضب فليس من عيب الطعام، إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا أشتهيه. وأخرج البخاري عن أبي جحيفة السوائي رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده: لا آكل متكئًا، أو قال: وأنا متكئ. المتكئ هو المائل على أحد شقيه. وقال الخطابي: كل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ. وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل جالسًا على الأرض ليس بينه وبينها وطاء. وأخرج مسلم عن أنس قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بتمر، فجعل يقسمه وهو محتفز يأكل منه أكلًا ذريعًا، وفي رواية: أكلًا حثيثًا. قال: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا مقعيًا يأكل تمرًا. قوله محتفز أي مستعجل مستوفز غير متمكن في جلوسه. كهيئة من يريد القيام، وقوله مقعيًا أي جالسًا على أليتيه ناصبًا ساقيه، وهذا يوضح ما فسره الإمام الخطابي رحمه الله، فإنه قال: المتكئ هو المتمكن في جلوسه من التربع وشبهه، المعتمد على وطاء تحته. وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات. وفي رواية قال: ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل على سكرجة قط، ولا خبز له مرقق قط، ولا أكل على خوان قط. قيل لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. الخوان طبق كبير مرتفع يوضع عليه الطعام، والخبز المرقق قال عياض: هو الملين المحسن، ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون مرقق رقيقًا الموسع. قال ابن حجر: وهذا هو المتعارف، وبه جزم ابن الأثير. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف. والسكرجة بوزن زمردة، إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم كالمشهيات ونحوها. والسفر جمع سفرة، وهي ما يفرش على الأرض ليوضع عليه الطعام. وأخرج ابن ماجه وأبو داود والبيهقي في السنن والضياء المقدسي في المختارة بسند حسن عن عبد الله بن بسر قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، والطعام يومئذ قليل، فقال لأهله: اطبخوا هذه الشاة وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه وثردوا عليه. قال: وكان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء، يحملها أربعة رجال، فلما أصبحوا وسبحوا الضحى أُتي بتلك القصعة فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا وسبحوا الضحى أُتي بتلك القصعة فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً. ثم قال صلى الله عليه وسلم: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها. ثم قال: كلوا، فوالذي نفس محمد بيده لتفتحن عليكم أرض فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر اسم الله عليه. قوله: جثا إذا قعد على ركبتيه. قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً. وأخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تُدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع، فذهب ليضع يده في الطعام فأخذ بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام ألا يُذكر اسم الله عليه. وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا. فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ وَأَكَلَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى فِي آخِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِ الشَّرَابِ، بَلْ فِي أَوَّلِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَقُولَ: بِسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللهَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَالتَّسْمِيَةُ فِي الْمَشْرُوبَاتِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَحْصُلُ التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ: بِسْمِ اللهِ، فَإِنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كَانَ حَسَنًا. لَا يَزَالُ الْكَلَامُ لِلنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ. وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَغَيْرُهُمَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآكِلِينَ، فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ. ثُمَّ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَشِبْهَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَكْلِ الشَّيْطَانِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا. وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً، إِذِ الْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ وَالشَّرْعُ لَمْ يُنْكِرْهُ بَلْ أَثْبَتَهُ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ مَعَ يَدِهَا، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ: يَدِهَا، وَفِي بَعْضِهَا: يَدَيْهِمَا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي لَوَاحِقِهِ اسْتِحْبَابُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ مَا يُصِيبُهَا مِنْ أَذًى، وَكَرَاهَةُ مَسْحِ الْيَدِ قَبْلَ لَعْقِهَا، وَبِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهَا الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: يُلْعِقُهَا، أَيْ يُلْعِقُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَتَقَذَّرُ ذَلِكَ، كَزَوْجَةٍ وَجَارِيَةٍ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَقَالَ: إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ. وقال فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. نسلة القصعة أي نتتبع ما بقي فيها من الطعام ونمسحها بالإصبع ونحوها. وأخرج مسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها، وفي رواية: فإذا فرغ لعقها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة.