الحديث رقم 203
نص الحلقة
ولما زاد الحديث في كتاب الأطعمة، أخرج مسلم رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يأكلن أحد منكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها، وكان نافع يزيد فيها: ولا يأخذ بها ولا يعطي بها. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. قال النووي: فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما بالشمال، وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع من اليمين فلا كراهة في الشمال. وأخرج الشيخان عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد. وفي رواية قال: أكلت يومًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا، فجعلت آكل من نواحي الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مما يليك. الصحفة كالقصعة والصحن مما يكون فيه الطعام، وقوله طعمتي أي هيئتي وطريقتي في الأكل. وأخرج مسلم. عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال صلى الله عليه وسلم: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه. قال النووي: هذا الرجل هو بسر بن راعي العير الأشجعي، وهو صحابي مشهور. وأما قول القاضي إن قوله ما منعه إلا الكبر يدل على أنه كان منافقاً فليس بصحيح، فإن مجرد الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق والكفر، لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال، حتى في حال الأكل، واستحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفها، كما في حديث عمر بن أبي سلمة الذي سبق. وأخرج أبو داود والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير، رحمهم الله، بسند صحيح، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مخرجاً. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً من الخلاء، فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. وفي رواية فقال: أريد أن أصلي فأتوضأ. وفي أخرى: لِمَ؟ أصلي فأتوضأ، وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من الخلاء فقُرِّب إليه طعام فأكل ولم يمس ماءً. وأخرج البخاري عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سأله عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمان النبي صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلاً، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ. أخرجه في كتاب الأطعمة باب المنديل. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها. قال النووي: فيه استعمال الورع؛ لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال، لكن الورع تركها. وفيه أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها، بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا متفق عليه. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء ووافق من أبي بكر جوعاً، فأكل منه لقمة قبل أن يسأل عنه. فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر إصبعه في فيه، فقاء كل شيء في بطنه، رضي الله عنه وأرضاه. الخراج ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه، وإنما استقاء الصديق رضي الله عنه لأن حلوان الكاهن محرم. قال ابن سيرين: لم أعلم أحدًا استقاء من طعام غير أبي بكر رضي الله عنه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة. وأخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته. وإنه أتي ببدر، ولمسلم بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها، فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال: كل، فإني أناجي من لا تناجي. قال البخاري، وقال ابن عفير عن ابن وهب بقدر فيه خضرات. وفي رواية قال: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وفي أخرى قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها. فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس. قال النووي: قوله بقدر هكذا هو في نسخ مسلم كلها، بقدر. وفي البخاري وأبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة: ببدر، بباءين موحدتين. قال العلماء: هذا هو الصواب. وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق. قالوا: سمي بدراً لاستدارته كاستدارة البدر. وقوله الخبيثة، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو شخص، كل ذلك يقال له خبيث. قال العلماء: في هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه مما يكره ريحه من دخول المسجد وإن كان خالياً؛ لأنه محل الملائكة، ولعموم الأحاديث. وقال ابن حجر: قوله كل، فإني أناجي من لا تناجي، فيه إباحته لغيره صلى الله عليه وسلم، حيث لا يتأذى به المصلون، جمعاً بين الأحاديث. واختلف في حقه هو صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو محرم عليه، والأصح أنه مكروه. لملازمة الملك له صلى الله عليه وسلم، وأنه ما من ساعة إلا وملك يمكن أن يلقاه فيها. وفي هذه الأحاديث بيان جواز أكل الثوم والبصل والكراث، لكن من أكلها يكره له حضور المسجد، وقد ألحق بها الفقهاء ما في معناها من البقول الكريهة الرائحة كالفجل.