الحديث رقم 207
نص الحلقة
في كتاب الأطعمة أخرج مسلم رحمه الله عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. القتلة بكسر القاف هي الهيئة، أي طريقة القتل. وقوله فأحسنوا الذبح في كثير من النسخ أو أكثرها بفتح الذال بغير هاء: الذبح، وفي بعضها الذبحة بكسر الذال وبالهاء كالقتلة، وهي الهيئة والحالة أيضًا. وليحد شفرته يقال أحد السكين وحددها واستحدها بمعنى واحد، أي جعلها حادة، والشفرة السكين العريضة. وأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليست معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة. قوله أنهر الدم أي أساله وصبه بكثرة، شبهه بجريان النهر. وقوله ليس السن بمعنى إلا السن، ومدى الحبشة أي سكاكينهم. قال النووي في هذا الحديث تصريح بجواز الذبح بكل محدد يقطع إلا السن والظفر، ويدخل في السن سن الآدمي وغيره، الطاهر والنجس. والمتصل والمنفصل، ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل، الطاهر والنجس، فكله لا تجوز الزكاة بشيء منه، ويدخل في الظفر ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات، وسواء المتصل والمنفصل، الطاهر والنجس، فكله لا تجوز الزكاة به. وبهذا قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين وأسال الدم حصلت الذكاة. قال: واختلفوا في قطع بعضها. وأخرج البخاري عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن جارية لهم ترعى غنمًا بسلع، فأبصرت بشاة من غنمها موتى، وفي رواية فأصيبت شاة، فكسرت حجرًا فذبحتها به، فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأكلها. وأخرج البخاري ومسلم عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيدة، فهذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم. قال النووي: يستحب نحر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى. صح في سنن أبي داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. أما البقر والغنم فيستحب أن تذبح مضجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة. وأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلاً وغنماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت، ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير فطلبوه أعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا. سبق طرف من الحديث في باب قسمة الغنائم وتحريم الغلول، وقوله: أصابوا إبلاً وغنماً أي غنموها، والأوابد هي النوافر، متأبدت: البهائم توحشت ونفرت. قال الحافظ في الفتح: هذا محمول على أنها كانت قيمة الغنم حينئذ، أي عدل العشر من الغنم ببعير، وأنها واقعة عين، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي أن البعير يجزئ عن سبع شياه. قال: والذي يتحرر في هذا أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. وفي الحديث تحريم التصرف في الأموال المشتركة من غير إذن ولو قلت، وأن ما توحش من المستأنس يعطى حكم المتوحش، وبالعكس، وجواز عقل الحيوان الناد لمن عجز عن ذبحه كالصيد البري، ويكون جميع أجزائه مذبحًا، أما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح أو النحر إجماعًا. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: إن قومًا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا عليه أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. بوب البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم. قال ابن حجر: والحديث عند النسائي: إن ناسًا من الأعراب، وفي رواية مالك: من البادية، يأتوننا بلحم... إلى آخره. قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضًا، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض. ودل هذا على أن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة محمول على التنزيه من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية. فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصيد والذبح فرضه ومندوبه؛ لئلا يواقعا شبهة من ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان. وقال ابن التين: يحتمل أن يراد بالتسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي، ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية. ولمسلم قال: وكان الناس محتاجوا إليها.