الحديث رقم 209
نص الحلقة
لم نزل في كتاب الأطعمة، أخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والحاكم رحمهم الله بسند حسن عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: نادى رجل: يا رسول الله، إنا كنا نعتِر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله، وأطعموا. قال: إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحملت ذبحته، فتصدقت بلحمه، فإن ذلك خير. قيل لأبي قلابة: كم السائمة؟ قال: مئة. العتيرة كانوا يعترونها، أي يذبحونها في رجب، وتسمى الرجبية، والفرع بفتح الراء أول نتاج البهيمة، منهم من يذبحهما للأصنام، ومنهم من يذبحهما للبركة في بهيمته. قال الشافعي: الفرع شيء كان أهل الجاهلية يذبحونه يطلبون به البركة في أموالهم، كان أحدهم يذبح بكر ناقته أو شاته رجاء البركة فيما يأتي بعده. فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها، فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحبابًا أن يتركوه حتى يُحمل عليه في سبيل الله، وقوله حق أي ليس بباطل، وهو كلام خرج على جواب السائل، ولا مخالفة بينه وبين حديث أبي هريرة: لا فرع ولا عتيرة، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة. وبهذا جمع الشافعي رحمه الله بين حديث نبيشة المتقدم وحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، وحديث الفرع حق الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرع، قال: الفرع حق، وأن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون، فتحمل عليه في سبيل الله، أو تعطيه أرملة، خير من أن تذبحه يلصق لحمه بوبره، والسائمة التي ترعى ولا تعلف، وقوله: استحمل، أي قوي على الحمل وأطاقه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا فرع ولا عتيرة. والفرع أول النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب. قوله: والفرع أول النتاج إلى آخره، هذا من كلام الزهري، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من يفرع ويعتر إذا بلغت إبله ما تمنى، أو بلغت مئة، فيعتر منها كل عام عتيرة، ولا يذوقه هو ولا أهله. وسئل عمرو بن شعيب: ما العتيرة؟ قال: كانوا يذبحون في رجب شاة فيطبخون ويأكلون ويطعمون. باب الأضحية والعقيقة. أخرج مسلم رحمه الله عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره. وفي رواية: من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي. قوله: ذبح، أي حيوان يريد ذبحه، فعل بمعنى مفعول، كحمل بمعنى محمول. واختلف العلماء في من دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي، فقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق: يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي، واحتجوا بهذا الحديث. وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، واحتجوا بحديث عائشة السابق في كتاب الحج: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه. قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم. وقال أبو حنيفة: لا يكره. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن. قال النووي: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل والبقر والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن، وهذا مجمع عليه. أما الجذع من الضأن فمذهب العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أم لا. وحمل الجمهور هذا الحديث على الأفضل. أيستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن. وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره، لأن الجمهور يجوزون الجذعة من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وأجمع العلماء على أنه لا تجزئ الضحية بغير الإبل والبقر والغنم، والجذع من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل ما له ستة أشهر، وقيل سبعة، وقيل ثمانية، وقيل عشرة، ومذهب الجمهور أن أفضل أنواع البدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، وأجمع العلماء على استحباب سمينها وطيبها. وأخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنماً يقسمها على صحابته، فبقي عتود أو جدي، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ضحِّ به أنت. وفي رواية قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله، أصابني جذع، فقال: ضحِّ به. قوله عتود: العتود من أولاد المعز خاصة، وهو ما أتى عليه الحول، وقيل ما لم يستكمل الحول. قال النووي، قال البيهقي وغيره: كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر، كما كان مثلها رخصة لأبي بردة بن نيار المذكور في حديث البراء الآتي قريباً. وأخرج مالك وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود. والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن، رحمهم الله جميعًا، بسند صحيح، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي. والعجفاء هي الهزيلة ضد السمينة. قال تعالى: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. والتي لا تنقي من قولهم: أنقى إذا صار ذا نقي، أي ذا مخ، فالمعنى التي ما بقي لها مخ من شدة الهزال. قال النووي: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها، كالعمى وقطع الرجل وشبهه. وقال المباركفوري: والحديث يدل على أن العيب الخفي في الضحايا معفو عنه. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح، عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا في سفر، فحضر الأضحى، فجعل الرجل منا يشتري المسنة بالجذعتين والثلاثة، فقال لنا رجل من بني مزينة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فحضر هذا اليوم، فجعل الرجل يطلب المسنة بالجذعتين والثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني. قال أبو داود: هو مجاشع بن مسعود. قال ابن عبد البر في التمهيد: هذا إنما هو في الضأن، بدليل حديث البراء الآتي في قصة أبي بردة بن نيار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في العناق وهي من المعز: إنها لن تجزئ عن أحد بعدك.