الحديث رقم 211
نص الحلقة
لم نزل في كتاب الأطعمة في باب الأضحية والعقيقة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، وسمى وكبر. ولمسلم: ويقول: بسم الله والله أكبر. وللبخاري قال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين. في معنى الأملح أقوال، قال العراقي: أصحها أنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، والأقرن الذي له قرنان حسنان. قال المباركفوري: قوله وسمى وكبر، الواو الأولى لمطلق الجمع، فإن التسمية قبل الذبح، وفيه مشروعية التسمية عند الذبح، وهي شرط في صفة الذبح مع الذكر، وتسقط بالسهو والنسيان عند مالك والثوري وأبي حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد. وعن أحمد أنها مستحبة غير واجبة، وبه قال الشافعي، والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه الجمهور. وأما التكبير فهو مستحب عند الجميع، ثم الجمهور على أنه تكره الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح، وخالفهم الشافعي وقال إنه يستحب، والراجح عندنا قول الجمهور. وفي الحديث أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، وفيه استحباب التضحية بالأقرن. ومشروعية استحسان الأضحية صفةً ولونًا. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة، هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى صلى الله عليه وسلم. المدية هي السكين، وشحذها أي حددها بالمسن وغيره مما يستخرج به حدها، ويقال شحذها بالثاء. وأخرج البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى. وأخرج البخاري عن سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى. قوله: أميطوا عنه الأذى، قيل الأذى الشعر الذي يكون على رأسه عند الولادة، وقيل قلفة الذكر التي تقطع عند الختان. قال ابن حجر: قوله مع الغلام عقيقة تمسك بمفهومه الحسن وقتادة، فقالا: لا يعق عن الصبي ولا يعق عن الجارية، وخالفهم الجمهور فقالوا: يعق عن الجارية أيضًا، وحجتهم الأحاديث المصرحة بذكر الجارية. وقال الشافعي: أفرط في العقيقة رجلان. قال أحدهما: هي بدعة، وقال الآخر: واجبة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم بسند صحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى. رهينة بعقيقته أي مرتهن بها. قال الخطابي: أجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في والديه. قوله: يسمى اختلف في لفظها، فقيل يسمى وقيل يُدمى، أي يلطخ بدم العقيقة، وقيل معناه يذكر اسم الله عند ذبحها. أما تحديد تسميته بالسابع فأصح منها تسمية النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم في ليلة مولده، وتسميته إبراهيم بن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن أبي طلحة في يوم مولدهما. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن عن أم كرز الخزاعية رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، لا يضركم ذكرانًا كن أم إناثًا. قوله: مكافئتان أي متساويتان. في السن متقاربتان، وهو بكسر الفاء من كافأه أي ساواه. قال الخطابي: العقيقة سنة، وهو قول أكثرهم، إلا أنهم اختلفوا بين الغلام والجارية، فقال أحمد والشافعي وإسحاق بظاهر هذا الحديث: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة. وقال مالك: الغلام والجارية شاة واحدة سواء. وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة. وقال أصحاب الرأي: إن شاء عق، وإن شاء لم يعق. وأخرج مالك بسند صحيح عن نافع أن ابن عمر لم يكن أحد من أهله يسأله عقيقة إلا أعطاه إياها، وكان يعق عن ولده بشاة شاة، عن الذكور والإناث. وفي رواية عن هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير كان يعق عن بنيه الذكور والإناث بشاة شاة. باب الصيد وما يقتل وما لا يقتل. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب. فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، فإن أخذ الكلب ذكاة إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، فإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل، فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره. وفي رواية: فإنك لا تدري أيها قتل. قال: وسألته عن صيد المعراض. فقال: إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصبت بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل. وفي رواية قال: كل ما خزق وما أصاب بعرضه فلا تأكل. وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل. وفي أخرى: قلت أحدنا يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتًا وفيه سهمه. قال صلى الله عليه وسلم: يأكله إن شاء. المعراض سهم بلا نصل ولا ريش، والنصل حديدة السهم في رأسه، والريش قذذ السهم وهي آذانه، وللسهم ثلاث قذذ. وقوله: وقيذ، الوقيذ الذي يقتل بغير محدد، كالعصا والحجر، يقال: وقيذ وموقوذ، والذكاة الذبح. وخزق السهم أي نفذ في الرمية حتى سال دمها. قال ابن حجر: وفي الحديث اشتراط التسمية عند الصيد، وقد أجمعوا على مشروعيتها إلا أنهم اختلفوا في كونها شرطًا في حل الأكل، فذهب الشافعي وطائفة، وهي رواية عن مالك وأحمد، أنها سنة، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يقدح في حل الأكل. وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنها واجبة لجعلها شرطًا. وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها سهوًا لا عمدًا، لكن اختلف عن المالكية هل تحرم أو تكره، وعند الحنفية تحرم، وعند الشافعية. في العمد ثلاثة أوجه: أصحها يكره أكلها، وقيل خلاف الأولى، وقيل يأثم بالترك ولا يحرم الأكل، والمشهور عن أحمد التفريق بين الصيد والذبيحة، فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث.