الحديث رقم 378
نص الحلقة
في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، باب الإسراء والمعراج، أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح. قال: فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، جمع سواد، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا آدم عليه السلام. وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، أي أرواحهم، فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار. فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا. ففتح، فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال: فلما مر جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس صلوات الله وسلامه عليهم، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم مر، فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم. ثم مررت بإبراهيم عليه السلام، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى أمر بموسى، فقال موسى عليه السلام: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال: لموسى فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت ربي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي. فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق جبريل حتى أتى بي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. قوله: صريف الأقلام، قال النووي: هو تصويتها حال الكتابة. قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ. وجنابذ اللؤلؤ: قباب اللؤلؤ، والجنبذة بالضم القبة، وكل مرتفع واستدار كالقبة يسمى جنبذة. وقد وجه ابن حجر وغيره من الحفاظ رحمهم الله اختلاف الروايات في منازل الأنبياء، كرواية أنه لقي إبراهيم في السماء السابعة، وفي الرواية الأخرى أنه لقيه في السماء السادسة، والجمع بين صلاته بهم في بيت المقدس ولقائه إياهم في السماوات، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه لأبد الأبد. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليلة أُسري بي لقيت موسى، فإذا رجل ضرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى فإذا هو ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، وأُتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. ولمسلم قال: لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كرب مثلها قط، فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به. ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه صلى الله عليه وسلم. فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني بالسلام. قوله: رجل ضرب، أي نحيف، ورجل بفتح ثم كسر، أي دهين الشعر مسترسله غير جعد. وأما قوله في رواية مسلم: رجل ضرب جعد، فقال العلماء: المراد بالجعد هنا جعودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، وليس المراد جعودة الشعر، وهكذا حيث جاء، فالجعودة هي الاكتناز والشدة، سواء في الشعر أو في الجسم. وشنوءة بفتح فضم فسكون، حي من أحياء اليمن من الأزد. قال الداودي: رجال الأزد معروفون بالطول، والدماس: الكِنّ، وقيل الحمام. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما كذبتني قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه. روي فجلى بتشديد اللام، وروي فجلا بتخفيفها، وهما ظاهران، ومعناه كشف وأظهر.