الحديث رقم 383
نص الحلقة
في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خفف على داود عليه السلام القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده. المراد بالقرآن هنا القراءة، كما في رواية أبي ذر، أي قراءة الكتاب المنزل عليه، وليس القرآن المعهود لهذه الأمة. وهذا كقول الله تعالى: أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا. قال الطبري: يقول إذا تتلى على هؤلاء أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه خروا لله سجدا وهم باكون. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمئة امرأة، وفي رواية تسعين، وفي أخرى سبعين، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فطاف بهن، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته. وفي رواية: والذي نفس محمد بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون. قال ابن حجر: محصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومئة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمئة فكن دون المئة وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألغى الكسر، ومن قال مئة جبره. قال بعض السلف: نبَّه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التفويض، ولا يلزم من قوله لو استثنى أن يقع ذلك لكل من استثنى، لكن الاستثناء أرجى لدرك الحاجة، وفي تركه خشية فوتها، وفيه أن كثيرا من المباح والملاذ يصير مستحبا بالنية الحسنة، وفيه ما خُص به الأنبياء من القوة على الجماع، الدالة على كمال الصحة والفحولة والرجولة مع اشتغالهم بالعبادة ومعالجة الخلق، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أبلغ المعجزة، فمع اشتغاله بذلك وتقلله من المآكل والمشارب المقتضي للعجز عن كثرة الجماع، كان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد وهن إحدى عشرة امرأة. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما أيوب يغتسل عريانا، خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك. قوله: رجل جراد، الرجل الجراد الكثير. قال الحافظ. فيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال لمن وثق من نفسه بالشكر، قال: ولم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء، فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قرصت نملة نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح. وفي رواية قال: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟ قال عياض: في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذ. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قال الحافظ ابن حجر: قوله يحكي نبيًّا، الظاهر أنه حكى صفة مسح جبهته خاصة كما مسحها ذلك النبي. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان زكريا نجارًا. قال النووي: فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة لزكريا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان صانعًا يأكل من كسبه. وقد ثبت أن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إياه، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وللبخاري قال: كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب. ولمسلم قال: صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان. وفي أخرى له قال: كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه، فإن كان مسلمين فمسلم. وكل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها. قوله نخسه أي طعنه، وقوله يستهل أي يرفع صوته ويصيح عند الولادة، وقوله في الحجاب أي في المشيمة التي فيها الولد، وقوله نزغة من الشيطان أي نخسة وطعنة، وقوله يلكزه أي يضربه ويدفعه في حضنيه. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ حضنيه، تثنية حضن، وهو الجنب، وقيل الخاصرة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والله الذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني. قال ابن حجر: استدل به على درء الحد بالشبهة، وعلى منع القضاء بالعلم، والراجح عند المالكية والحنابلة منعه مطلقًا، وعند الشافعية جوازه إلا في الحدود. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة أبناء علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. العلات بفتح العين: الضرائر، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع، وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة. وأخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: يلقى عيسى حجته، فلقاه الله في قوله: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلقاه الله: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، الآية كلها. وأخرج البخاري عن سلمان قال: فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ستمائة سنة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضعت هذه اللبنة. قالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلَا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ. وَلَهُمَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ وَيَعْجَبُونَ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ. زَادَ مُسْلِمٌ: فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلِي وَمَثَلُ النَّبِيِّينَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.