الحديث رقم 382
نص الحلقة
في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. قوله: صكَّه، الصك هو الضرب باليد كاللطم ونحوه. قال تعالى: فَصَكَّتْ وَجْهَهَا. وقوله: ففقأ عينه، أي شقها فأطفأها. والكثيب: الرمل المستطيل المحدودب. وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت، وفي رواية: مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، في قسمٍ يقسم به. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي. فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَنِي؟ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُبْعَثُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالَ: إِنِّي لَأَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ فَإِذَا مُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقُولُهُ بِرَأْيِهِ لَا بِدَلِيلٍ، أَوْ مَنْ يَقُولُهُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ. أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، وقيل قاله صلى الله عليه وسلم تواضعًا، وقيل قاله قبل أن يعلم بتفاضلهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، فقال: يا محمد، إن رجلًا من الأنصار من أصحابك لطم وجهي. فقال: ادعوه. فدعوه، فقال: لِمَ لطمت وجهه؟ قال: يا رسول الله، إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته. فقال: لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، وفي رواية: فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور. وفي رواية: فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أو اكتفى بصعقة الطور. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا رجل اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس... إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه. فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها، فلم تطعمها، فقال إن فيكم غلولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال فيكم الغلول. فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا. تقدم عند حديث أبي ذر وفي بضع أحدكم صدقة أن البضع يطلق على الفرج والجماع والمهر وعقد النكاح، وقوله يريد أن يبني بها يقال بنى الرجل بزوجته أي دخل بها، والخلفات النوق الحوامل. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: لا ينبغي لعبد لي، وفي رواية لعبدي، أن يقول أنا خير من يونس بن متى. وللبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه. وأخرج البخاري عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. ما ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يونس بن متى، وفي رواية: لا يقولن أحدكم إني خير من يونس. زاد مسدد: يونس ابن متى. القول فيه كما سبق في أمثاله أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قاله تواضعًا، أو قبل أن يوحى إليه أنه أفضل الخلق، وقيل خص يونس عليه الصلاة والسلام بالذكر لما يُخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة. وأخرج البخاري عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده. قال الحافظ ابن حجر: والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض، كما قال الله تعالى: وَإِنَّمَا ابْتَغَى الْأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الأَفْضَلِ. ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على أن خير الكسب عمل اليد، وفي الحديث أن التكسب لا يقدح في التوكل، وأن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه.