الحديث رقم 381
نص الحلقة
في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش، وقيل الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات. وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر. فقال: كذب عدو الله. سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قام موسى عليه السلام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: أي رب، كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثم. فانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نون، فحمل موسى حوتًا في مكتل، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل حتى خرج من المكتل فسقط في البحر. قال: وأمسك الله عنه جريَة الماء حتى كان مثل الطاق، فكان للحوت سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا. فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. قال ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا. قال: يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلا مسجى عليه بثوب، فسلم عليه موسى، فقال له الخضر: أنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه. قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. قال: نعم. فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلماهم أن يحملوهما، فعرف الخضر فحملوهما بغير نول، فركب السفينة، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره. فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدوم فخرق السفينة، وفي رواية: فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَضْجَعَهُ فَذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى. قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، يَقُولُ مَائِلٌ. قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا. قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: بَيْنَمَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ وَأَيَّامِ اللهِ نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ، إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا خَيْرًا أَوْ أَعْلَمَ مِنِّي. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وفيه حوتًا مالحًا، وفيه مسجى ثوبًا مستلقيًا على القفا أو على حلاوة القفا، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا، ولو صبر لرأى العجب. قال: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه: رحمة الله علينا وعلى أخي كذا، رحمة الله علينا. ثم قال: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا فطافا في المجلس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، إلى قوله: هذا فراق بيني وبينك. قال: وأخذ بثوبه ثم تلا إلى قوله: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، إلى آخر الآية. فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فتجاوزها فأصلحوها بخشبة، وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك أرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا. وفي رواية قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل، وذكر نحوه. وفي رواية أنه قيل له: خذ حوتًا حتى تنفخ فيه الروح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. فقال ما كلفت كبيرًا، وذكر الحديث، وفيه: فوجد خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال لموسى: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. وفيه: كان أبواه مؤمنين، وكان كافرًا، فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا، يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة، لقوله: قتلت نفسًا زكية، وأقرب رحمًا، أرحم بهما من الأول الذي قتل الخضر. وفي رواية: أنهما أبدلا جارية. وفي رواية: بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدنا الخضر. فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وذكر الحديث. هذه روايات البخاري ومسلم، ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها: فانطلقا حتى إذا لقيا غلمانًا يلعبون، قال فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي فقتله. قال: فذعر عندها موسى ذعرة منكرة، قال: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئًا نكرًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا المكان: رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة. نوف بفتح فسكون، والبكالي بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف، مفتوحة، تابعي صدوق. وَإِنَّمَا قَالَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ زَجْرًا فِي حَالِ غَضَبٍ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْمِكْتَلُ كَمِبْرَدٍ: الزَّبِيلُ الْكَبِيرُ. وَقَوْلُهُ سَرَبًا: السَّرَبُ الْمَسْلَكُ. وَقَصَصًا: الْقَصَصُ تَتَبُّعُ الْأَثَرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَالْمُسَجًّى: الْمُغَطَّى. وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ أَيْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ. وَالطُّنْفُسَةُ فِرَاشٌ صَغِيرٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِضَمِّهِمَا، وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَالنُّونُ سَاكِنَةٌ. وَحَلَاوَةُ الْقَفَا وَسَطُ قَفَا الرَّأْسِ. وَقَوْلُهُ ذَمَامَةٌ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا، أَيْ اسْتِحْيَاءٌ مِنْ تَكْرَارِ مُخَالَفَةِ صَاحِبِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ الْخَضِرِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَيٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنْكَارِهِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ الْآنَ الْبُخَارِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَطَائِفَةٌ، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ. وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.