الحديث رقم 379
نص الحلقة
باب ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أخرج البخاري عن عائشة وعن أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم عليهم الصلاة والسلام. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله نبيًا إلا راعي غنم، وفي لفظ: إلا رعى الغنم. فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. القيراط جزء من الدرهم أو الدينار. قال العلماء: الحكمة في رعي الغنم أن يحصل لهم التمرن على ما يكلفونه من أمر أممهم، لأنهم إذا صبروا على رعيها وتعاهدها ودفع عدوها من سبع وسارق وغيره، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، ألفوا الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، وأحسنوا التعاهد لها. وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه الأنبياء عليهم وعليهم جميعًا صلوات الله وسلامه ما تعاقب الليل والنهار. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فجعد آدم. على جملٍ مخطومٍ بخلبة، كأني أنظر إليه حدر في الوادي. وفي رواية قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به، فقال: موسى آدم طوال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه. زاد مسلم قال: كان قتادة يفسرها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام. قوله بخلبة: الخلب الليف، والخلبة واحدةها، بضم الخاء، وفي لامها لغتان مشهورتان: الضم والإسكان. وقد يسمى الحبل نفسه خلبة. وقوله رجل طوال بضم الطاء، أي طويل، كدقاق بمعنى دقيق. وقوله ربعة ومربوع، أي ليس بالطويل ولا القصير. وسبط الرأس مسترسل الشعر ليس فيه تكسر. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت عيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط. هكذا في كتاب البخاري، ذكر إبراهيم في أوله فقط، ولم يذكر عنه شيئًا. وقوله جعد هنا المراد جعودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، لا جعودة الشعر. وقد ثبت أن شعر موسى وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام رجل سبط، أي دهين مسترسل غير جعد. والآدم هنا معناها الأسمر، وهو من الأضداد، وسيأتي في صفة عيسى، ومعناه هناك أبيض، كما قال عن هنا أحمر. والزط جنس من السودان معروفون بالطول والأدمة، وهو كما تقدم من صفة رجال شنوءة. وقوله جسيم، قال عياض: هو ضد الضرب، إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول. قال ابن حجر: والذي يتعين المصير إليه ما جوزه عياض أن مراد بالجسيم في صفة موسى الزيادة في الطول، ويؤيده قوله كأنه من رجال الزط، وهم طوال غير غلاظ. قال ابن التين: والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال. وأخرج مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرض علي الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم، يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، وعليهم أجمعين. قال: ورأيت جبريل، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية بن خليفة. وأخرج مسلم عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا خير البرية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام. قال النووي: قال العلماء إنما قال نبينا صلى الله عليه وسلم هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم صلى الله عليه وسلم لخلته وأبوته. وإلا فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل، كما قال صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم. وقيل قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، ولا يمتنع أنه أراد أفضل البرية الموجودة في عصره، وأطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكذب إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقالت: ادع الله أن يطلق يدي فلك الله ألا أضرك. ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي. وأعطها هاجر، فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم انصرف، فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرًا، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. وللبخاري قال: هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل له: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء، فأرسل إليه: يا إبراهيم، من هذه التي معك؟ قال: أختي. ثم رجع إليها فقال: لا تكذبي حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك. فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي الكافر. فغط حتى ركض برجله، فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل. ثم قام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي هذا الكافر. فغط حتى ركض برجله. قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل في الثانية أو الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانًا، ارجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر. وفي رواية: آجر. فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة؟ قوله: ثلاثة كذبات، قال النووي: هي كذبات بالنسبة إلى فهم السامع. أما حقيقتها فليست كذبًا مذمومًا لوجهين: أحدهما أنه ورّى بها، فقال في سارة أختي، أي في الإسلام، وهو صحيح. والثاني أنه لو كان كذبًا لا تورية فيه لكان جائزًا لدفع الظالم. وقد اتفق الفقهاء أنه لو جاء ظالم يطلب مختفيًا ليقتله أو وديعة ليأخذها غصبًا، وجب على من علم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز بل واجب. وقوله إني سقيم، أي سأسقم، لأن الإنسان عرضة للأسقام، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا. وقوله بل فعله كبيرهم، قال طائفة: جعل النطق شرطًا لفعل كبيرهم، أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، فهي معاريض محتملة للأمرين، وليست كذبًا محضًا. والثلاث كلها في ذات الله. وجاء ذلك مفسرًا في غير مسلم، فقال: ما فيها كذبة إلا يماحل بها عن الإسلام، أي يجادل ويدافع. قوله فلك الله، أي ضامن ألا أضرك. قال الطيبي: الرواية فيه بالنصب، فلك الله، لا يجوز غيره، وهو قسم. وقوله مهيم، كمريم، وفي رواية مهيما بألف بعد الميم، أي ما أمرك وما شأنك. وقوله غط، أي ضغط وكاد يختنق حتى سمع له غطيط، وركض برجله أي ضرب بها الأرض. وقول أبي هريرة يا بني ماء السماء، قيل المراد العرب لخلوص نسبهم، وقيل لأن أكثرهم أصحاب مواش، وعيشهم من المرعى وما ينبت بماء السماء. وقال القاضي: الأظهر أن المراد الأنصار، لأن جدهم كان يعرف بماء السماء.