الحديث رقم 380
نص الحلقة
في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، وفي رواية: بالقدوم. القدوم بفتح القاف وضم الدال مخففة ومشددة، آلة النجار كالفأس، والقدوم بالتخفيف قرية بالشام عند حلب، والأكثر على أن القدوم الذي اختتن به إبراهيم هو الآلة. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن إبراهيم عليه السلام يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وفي رواية قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. القترة بفتحتين هي الغبرة، وقيل ما يغشى الوجه من الكرب، وقيل سواد الدخان، والذيخ ذكر الضباع، والأنثى ذيخة، وقوله متلطخ قال ابن حجر: قال بعض الشراح أي في رجيع أو دم أو طين، وقد عينت الرواية الأخيرة المراد، وأنه الاحتمال الأول. حيث قال: فَيَتَمَرَّغُ في نَتْنِهِ. قيل: الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه. وأخرج البخاري ومسلم عن أم شريك رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها، وفي رواية: أمر بقتل الأوزاغ، وللبخاري: أمر بقتل الوزغ، وقال: كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي. ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي. قوله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك، قيل معناه: نحن أشد اشتياقًا إلى رؤية ذلك من إبراهيم. وقيل: إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى ألا يشك. ومعناه: لا شك عندنا جميعًا. ثم إن إبراهيم لم يسأل هل يقدر الله على إحياء الموتى، وإنما سأل الله أن يريه كيف يحييهم، والسؤال عن الكيفية متضمن الإيمان بالقدرة قطعًا. وقوله: لقد كان يأوي إلى ركن شديد، أي إلى الله جل وعلا. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة. أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟ قلت لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله. فقدمت فسألت ابن عباس، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عُدل فيها، ولا أريد فيها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا. الصرف شجر أحمر يُدبغ به الأديم، وقيل هو صبغ أحمر، والصرف الخالص من كل شيء. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فجمع موسى عليه السلام بإثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس. فقام الحجر حتى نظر إليه، فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربًا. قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندبًا ستة أو سبعة من ضرب موسى بالحجر. وللبخاري قال: إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يُرى شيء من جلده استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أُدرة وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثة أو أربعة أو خمسة. فذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا. ولمسلم نحوه. الأدرة بفتحتين، وبضم الهمزة وسكون الدال: انتفاخ الخصية، والآدر كبير الخصيتين. وقوله جمع أي أسرع، وندب بفتحتين جمع ندبة كبقر وبقرة، والندبة أثر الجرح، شبه أثر الضرب في الحجر بأثر الجرح. وأخرج مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، وهما بين مكة والمدينة، فقال: أي واد هذا؟ قالوا: وادي الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنية واضعًا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي. ثم أتى على ثنية هرشى، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشى أو لفت. فقال: لكأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء أجعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، مارًّا بهذا الوادي يلبي. الجؤار رفع الصوت، وهرشى تقدم ذكرها هضبة بين مكة والمدينة، ولفت فيها ثلاثة أوجه: كسر اللام وفتحها مع سكون اللام، وفيها فتح اللام والفاء، وهي ثنية قرب هرشى، وقوله ناقة أجعدة أي مكتنزة اللحم، والخلب الليف جمع خلبة مثل ليف وليفة.