الحديث رقم 23
نص الحلقة
باب القراءات. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فزادني، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف. قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام. قال ابن حجر في فتح الباري: قال أبو شامة: وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها، مال ابن الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي الطاهر بن أبي السرح قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟ قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل هلم وتعال وأقبل، أي ذلك قلت أجزأك. قال: وقال لي ابن وهب مثله. والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلًا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكفر بعضهم بعضًا، اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته. وترك الباقي. قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاختصار كمن اقتصر مما خُيِّر فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس ابن عمار في شرح الهداية. وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يُقرأ الآن بعض الأحرف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها. وقال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ، والمرفوع كسائر ما نُسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم. وقال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وفصل في ذلك تفصيلاً طويلاً جميلاً رحمه الله رحمة واسعة، وجميع علماء المسلمين. وأخرج مسلم عن أُبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه. فَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَآهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا. فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ أَنْ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ أَنْ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي. وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، وَالْأَضَاةُ: الْغَدِيرُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثم جاءه الرابعة، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا. وأخرج البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال صلى الله عليه وسلم: أرسله، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا عمر. فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه. قوله: لببته، أي جمعت عليه ثوبه وقبضته أجره. قال ابن حجر: واستدل بقوله فاقرؤوا ما تيسر على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط المتقدمة. وقد قرر ذلك أبو شامة في الوجيز تقريرا بليغا. وقال فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءات مختلفة مع وجود الشرط المذكور، جازت القراءة بها بشرط ألا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في الوجيز أن فتوى وردت من العجم لدمشق سألوا عن قارئ يقرأ عشراً من القرآن فيخلط القراءات، فأجاب ابن الحاجب وابن الصلاح وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها. كمن يقرأ مثلاً فتلقى آدم من ربه كلمات، فلا يقرأ لابن كثير بنصب آدم ولأبي عمرو بنصب كلمات. قال أبو شامة: لا شك في منع هذا، وما عداه فجائز.