الحديث رقم 35
نص الحلقة
ما زلنا في كتاب ذكر القرآن العظيم في باب التفسير وأسباب النزول. أخرج البخاري عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال: فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله عز وجل: إذا جاء نصر الله والفتح؟ فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له. فقال: إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. وفي رواية أن عمر كان يدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله. فقال عمر: إنه من حيث تعلم. فسأل عمر بن عباس عن هذه الآية، قال: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه. قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي أخرى أن عمر سألهم عن قوله: إذا جاء نصر الله والفتح، قالوا: فتح المدائن والقصور. قال: يا ابن عباس، ما تقول؟ قال: أجل، أو مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نُعيت إليه نفسه. قوله من حيث تعلم أي من أجل ما تعلمه من أنه عالم. وأخرج البخاري عن زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، قلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قيل لي، فقلت: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر: أُبهم قول ابن مسعود استعظامًا له من بعض الرواة، وهو أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما. قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأهما في الصلاة. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى والحاكم بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأراني القمر حين طلع، فقال: تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب. وفي رواية: استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب. وقب أي غاب أو دخل، والوقوب الدخول في كل شيء. قال السندي: وهو إذا غاب انتشر الفسقة للسرقة والفجور بالنساء. بهذا نأتي على نهاية كتاب ذكر القرآن العظيم، ونبدأ في كتاب العلم، باب فضل العلم. أخرج البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي. ولمسلم عن عبد الله بن عامر قال: سمعت معاوية يقول: إياكم والأحاديث إلا حديثًا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله. وذكر نحوه. وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. الأجادب هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، واحدتها جدبة، وقد يسكن فيقال جدبة، وهي ضد الخصبة. وقال الأصمعي: الأجادب ما لا ينبت الكلأ. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم. إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَحْتَرِفُ، أَيْ يَعْمَلُ وَيَتَكَسَّبُ، وَكَانَ الْآخَرُ يَلْزَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ. حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. وللبخاري قال: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، فيستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون. وأخرج الدارمي والترمذي والحاكم بسند حسن عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يُختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يُختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، فقال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يُرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا. بوب عليه الدارمي رحمه الله بقوله: باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.