الحديث رقم 24

كتاب ذكر القرآن العظيم · المدة 8:58 · المقطع 4 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب القراءات أخرج أحمد وأبو داود والبيهقي في السنن والضياء في المختارة بسند صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى. فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: بلى. كلاكما محسن مجمل. قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل. فضرب صدري، فقال: يا أبي بن كعب، إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: على حرفين. فقلت: على حرفين. فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة. فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف. إن قلت: غفورا رحيما أو عليما سميعا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما تكون في الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام. قال أبو جعفر: وكانت هذه السعة للناس في هذه الحروف في عجزهم عن أخذ القرآن على غيرها مما لا يقدرون عليه، لما قد تقدم ذكرنا له في هذا الباب، أي من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي جبريل عليه السلام فقال: إني أرسلت إلى أمة فيهم الشيخ الكبير والعجوز والغلام والخادم، والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط. فقال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وكانوا على ذلك حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأوا بذلك على تحفظ القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوه بخلافها. وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد. ثم قال: ومما يدل على عود التلاوة إلى حرف واحد بعدما كانت قبل ذلك على الأحرف السبعة التي ذكرنا، ما قد كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه من جمعه القرآن وكتابته فيما كان اكتتبه فيه. ثم ذكر خبر حذيفة ودعوته عثمان أن يجمع القرآن، ويدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كما اختلف أهل الكتاب. ثم قال: فوقفنا بذلك على أن جمع القرآن كان من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما راشدان مهديان، وقد تقدم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدوة بهما، وتابعهما عثمان رضي الله عنه على ذلك وهو إمام راشد مهدي، وتابعهم عليه أيضا زيد بن ثابت وهو كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب المصحف لعثمان بيده، وتابعهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فصار إجماعا. والنقل بالإجماع هو الحجة التي بمثلها نقل الإسلام إلينا حتى علمنا شرائعه. وحتى وقفنا على عدد الصلوات، وعلى ما سواها مما هو من شرائع الإسلام، وعاد ذلك؛ لأن من كفر بحرف منه كان كافرًا حلال الدم إن لم يرجع إلى ما عليه أهل الجماعة. وفارق ذلك حكم الأخبار التي يرويها الآحاد بما يخالف شيئًا مما في المصحف الذي ذكرنا. وكان فيما ذكرنا ما قد دل أن من أضاف شيئًا مما يخالف ما في مصحفنا هذا إلى أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو غير ملتفت إلى ما حكى؛ لأنه حكى ما لا تقوم به الحجة مما يخالفه ما قد قامت به الحجة. انتهى. وسيأتي قريبًا حديث أنس عند البخاري: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلًا يقرأ آية، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها على خلاف ذلك. قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: اقرأا، فكلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا. وأخرج البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه. قوله: قوموا عنه، قال ابن حجر. قال عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المعنى: إذا اختلفتم في فهمه فتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة. ويحتمل أن المقصود الاختلاف في كيفية الأداء، كما في حديث ابن مسعود السابق. انتهى ملخصا. وأخرج البخاري عن عمر قال: أقرأنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع كثيرا من لحن أبي، أي من قراءته وطريقته، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها، وفي رواية: وأبي يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء. ننسها: قراءة ابن كثير وأبي عمرو من النسيئة، وهي التأخير، وقرأ حفص ونافع ننسها من النسيان. وأخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قال: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك. حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني، وفي أخرى: فلم يزل عمر يراجعني، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة، أو أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... قال: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. وفي رواية قال زيد بن ثابت: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين، وهي قوله: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فألحقناها في سورتها من المصحف، قال بعض الرواة فيه: اللخاف يعني الخزف.