الحديث رقم 51
نص الحلقة
باب التحذير من النفاق. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. وفي رواية عوض: إذا اؤتمن خان، قال: إذا وعد أخلف. قال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله غدر أي نقض العهد، والغدر ضد الوفاء. وقوله فجر أي مال عن الحق واحتال في رده. قال النووي: هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلاً، إذ قد توجد هذه الخصال في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، وهو أنها خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين ومتخلق بأخلاقهم. وارتضى القرطبي قول الترمذي بأن المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر. وقيل هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال. وتهاون بها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا. وأخرج البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا أو أمرائنا، فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. قال: كنا نعدها نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة. العائرة: المترددة الحائرة، وقوله تعير أي تتردد تجيء وتذهب. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا. وفي رواية قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، وقال: يا عائشة، ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا الذي نحن عليه. قال الليث: كان رجلين من المنافقين. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثت هذه الريح لموت منافق. فلما قدمنا المدينة إذا منافق عظيم من المنافقين قد مات. وأخرج مسلم عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه رضي الله عنه قال: عدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا موعوكًا. فوضعت يدي عليه، فقلت: والله ما رأيتك اليوم رجلاً أشد حرًّا. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأشد حرًّا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين، لرجلين حينئذ من أصحابه. قوله المقفيين، المقفي هو من ولاك قفاه ذاهبًا. وأخرج البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: إن المنافقين اليوم شرٌّ منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون. وفي رواية قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان. وأخرج مسلم عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أصحابي، وفي رواية: في أمتي، اثنا عشر منافقًا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم. قال أسود بن عامر: وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم. وفي رواية: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة، العقبة هنا عقبة تبوك، هي عقبة بطريق تبوك اجتمع فيها المنافقون للغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله منهم. قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة. فقال له القوم: أخبره إذ سألك. فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى، فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد. فوجد قوماً قد سبقوه، فلعنهم يومئذ. قوله: سم الخياط هو ثقب الإبرة، والدبيلة فُسرت في الحديث. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي. قال: فانطلق إليه، وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزل فيهم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. السبخة: الأرض التي لا تنبت لملوحتها. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفن فيه، وصلِّ عليه واستغفر له، فأعطاه قميصه. وقال إذا فرغت فآذننا، فلما فرغ آذنه به، فجاء ليصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال: تصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: إنما خيرني الله، فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. فقال: سأزيده على سبعين. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون، فترك الصلاة عليهم. وأخرج البخاري عن عمر قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخِّر عني يا عمر. فلما أكثرت عليه قال: أما إني خُيِّرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره. إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم.