الحديث رقم 54
نص الحلقة
أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي. قوله آخذ، روي بكسر الخاء اسم فاعل، وبضمها فعل مضارع: آخذ. وكذلك تفلتون، روي بوجهين: فتح التاء والفاء واللام المشددة، وروي بضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام: تفلتون، يقال أفلت مني وتفلت إذا نازعك ثم غلبك وهرب. والحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل. وأخرج البخاري عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها يفقهها. فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس. وفي رواية: فرَّق بين الناس. وأخرج مسلم عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئًا. فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل. وفي رواية: فإن الله لا يخلف وعده. أخرج مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل، يقول: يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرًا. فتركوه فنفضت أو فنقصت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح. فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ فقالوا: قلت كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم. والشيص هو التمر الذي لا يشتد نواه ولا يقوى، وقد لا يكون له لون أصلًا، وإذا يبس صار حشفًا. وأخرج البخاري عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات. قال البخاري: يعني المهلكات. وأخرج البخاري عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ قال: والله ما أعرف من أمر محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. وأخرج البخاري عن المسيب بن رافع قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة. فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثناه بعده. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا. وأخرج البخاري عن أبي مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي، فقدما علينا الكوفة، فصعد المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي. وأخرج البخاري عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي قال: جلست مع شيبة بن عثمان الحجبي على الكرسي في الكعبة، فقال: جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لِمَ؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرآن يقتدى بهما. وفي رواية قلت: إن صاحبيك لم يفعلا. فقال: هما المرآن أقتدي بهما. قوله: صفراء ولا بيضاء، أي ذهبًا ولا فضة. قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذي بها، وهو ما كان يُهدى إليها فيُدَّخر ما يزيد عن الحاجة، وأما الحلي فمحبوسة عليها كالقناديل، فلا يجوز صرفها في غيرها. وقال ابن الجوزي: كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيمًا لها، فيجتمع فيها، وأراد بصاحبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه. وأخرج البخاري ومسلم عن شقيق بن سلمة الأسدي قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً. فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال يا ابن الخطاب، إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً. فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر، فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع. وفي رواية أنه سمع سهل بن حنيف بصفين يقول: يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم. لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلنا بنا إلى أمر نعرفه، غير هذا الأمر. ما نسد منه خصماً إلا انفجر علينا منه خصم، ما ندري كيف نأتي له. وفي أخرى قال: كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يُدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي: نعم. فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، وذكر الحديث. الخصم بضم الخاء وسكون الصاد: الطرف، وخصم كل شيء طرفه وجانبه، وجمعه خصوم وأخصام. وأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وإنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.