الحديث رقم 133
نص الحلقة
في باب أحكام الصيام وآدابه، أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة. الغميم وادٍ أمام عسفان يضاف إليه هذا الكراع، كراع الغميم، والكراع كل أنف سال من جبل أو حرة، وعسفان قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكة. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حتى إذا بلغ الكديد، وهو ماء بين عسفان وقديد، أفطروا وأفطروا. وفي رواية: فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر. قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآخر فالآخر. سيأتي الحديث إن شاء الله في باب المغازي والسير. قال النووي: قال القاضي، وهذا كله في سفر واحد في غزاة الفتح، وسميت هذه المواضع لتقاربها، يعني الكديد وكراع الغميم، وإن كانت عسفان متباعدة عنها شيئاً، لكنها كلها مضافة إليها ومن عملها. فَاشْتَمَلَ اسْمُ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَالَ النَّاسِ يَوْمَ شَقَّتَهُمْ فِي بَعْضِهَا فَأَفْطَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهَا. هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ. فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ. ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مُصَبِّحُوا عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا. وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا. ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ. فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ تَفْضِيلُ الصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ. وَكَذَلِكَ رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ الصَّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ. الْأَبْنِيَةُ جَمْعُ بِنَاءٍ وَهُوَ الْخِبَاءُ وَالْخَيْمَةُ، وَالرِّكَابُ هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي يُسَارُ عَلَيْهَا، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ؟ قالوا رجل صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس من البر أن تصوموا في السفر. وفي رواية: ليس من البر الصوم في السفر. قال النووي: معناه إذا شق عليكم، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مبينة للروايات المطلقة: ليس من البر الصيام في السفر. وقال ابن حجر: يجمع بين حديث الباب والذي قبله باعتبار شدة المشقة، فالصوم لمن قوي عليه أفضل، والفطر لمن شق عليه الصوم أفضل، ومن لم يتحقق المشقة يُخيَّر. انتهى ملخصًا. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بسند صحيح عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أفطر الحاجم والمحجوم. الحديث صحيح لكنه منسوخ كما سيأتي. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم. وأخرج البخاري عن ثابت البناني قال: سئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. ولأبي داود عن ثابت عن أنس قال: ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد. وأخرج الشيخان عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان جنبًا من غير حلم، فيغتسل ويصوم. وفي رواية: إن كان صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم. وفي أخرى عن أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي. ولمسلم عن عائشة أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. ولمسلم قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟ الإرب: الحاجة والوطر، أي أملك لنفسه وشهوته. والإرب أيضًا العضو، يقال: قطعه إربًا إربًا، أي عضوًا عضوًا. والمراد بالمباشرة هنا الملامسة والمداعبة. وأخرج مسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه، لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، صلى الله عليه وسلم.