الحديث رقم 139
نص الحلقة
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجة وأبو داود والترمذي والبزار والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبغوي بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه. قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث ليال من الشهر، فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. وأخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. القاري بياء مشددة من قبيلة يقال لها قارة من الأنصار، وقوله أوزاع فُسرت في الحديث: أي متفرقون. وقوله نعمة البدعة، قال الحافظ في بعض الروايات نعمة البدعة بزيادة تاء. وقوله هذه، أي الجماعة الكبرى، لا أصل التراويح ولا نفس الجماعة، فإنهما ثابتتان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: قد ثبت أن الناس كانوا يصلون بالليل جماعة في رمضان على العهد النبوي، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى ليلتين أو ثلاثا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في العشر، في سبع يمضين أو في سبع يبقين، يعني ليلة القدر. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، يعني ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر. وفي رواية قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر. وللبخاري: قال التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، فإني رأيت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين. فلما رجع إلى معتكفه هاجت السماء، فهو الذي بعثه بالحق، لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد على عريش، فلقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين. وفي رواية نحوه، إلا أنه قال: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي خرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر. الحديث. وقال في آخره: فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. وفي أخرى نحوه، إلا أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها. فخطب الناس وأمرهم بما شاء الله، ثم قال: كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه. ثم ذكره، وفيه: فوكف المسجد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين. الحديث. وفي رواية قال أبو سلمة: انطلقت إلى أبي سعيد، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل فنتحدث؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر. قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط واعتكفنا معه، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الذي تطلب أمامك. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر وإني أنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني أسجد في ماء وطين، وكان سقف المسجد جريد النخل، وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قزعة فمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة النبي صلى الله عليه وسلم وأرنبته تصديق رؤياه. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير. فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم إني اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه. وقال: إني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد في صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه ورأسه أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر. وله في أخرى قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له. قال: فلما انقضين أمر بالبناء فقوض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس فقال: يا أيها الناس إنها كانت أُبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، وفي رواية يختصمان، معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قال: قلت يا أبا سعيد، إنكم بالعدد أعلم منا. قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون فهي التاسعة. فَإِذَا مَضَى ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ. العشر الأوسط هكذا هو في جميع النسخ، وهي لغة صحيحة باعتبار الوقت والزمان. والسدة ظلة على الباب، وقيل هي الباب نفسه. والقزعة قطعة رقيقة من السحاب. وقوله: وكف المسجد، أي قطر سقفه بالماء، وأرنبة الأنف طرفه. قال الحميدي: كان البخاري يحتج بهذا الحديث، فيقول: لا تمسح الجبهة في الصلاة بل بعدها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رُئي الماء والطين في أرنبته وجبهته بعدما صلى.