الحديث رقم 138
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر ويوم النحر. ولمسلم عن قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع؟ قال: سمعته يقول: لا يصلح الصيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان. في الحديث تحريم صوم هذين اليومين، وإليه ذهب العلماء كافة. قال ابن قدامة في المغني: أجمع أهل العلم على أن صوم العيدين منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة. وأخرج مسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب، وأيام منى هي أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي عيد الأضحى، ولم يرخص لأحد في صيامهن إلا من تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يجد الهدي، وهو المعني بقول الله تعالى: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج. وسيأتي هذا من حديث عائشة وابن عمر في باب أحكام الحج إن شاء الله تعالى. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم. سبق الحديث في باب صلاة الليل. قوله: لا تختصوا ليلة الجمعة بتاءين، ولا تخصوا يوم الجمعة بتاء واحدة. قال النووي: هكذا وقع في الأصول، وهما صحيحان. قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: ذهب الجمهور إلى أن النهي عن صوم يوم الجمعة للتنزيه، وفي الحديث جواز صيامه لمن وافق عادة له، كمن يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو من يصوم عرفة. وأخرج البخاري عن جويرية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: فأفطري. باب الاعتكاف وقيام رمضان. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل، وذلك في رمضان، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد، فقال: أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكنني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي صلى الله عليه وسلم أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا، فقلنا له حين أصبحنا: فطنت لنا الليلة؟ قال: نعم، ذاك الذي حملني على ما صنعت. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل: أجود بالخير من الريح المرسلة. وفي رواية: وكان جبريل يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. ولمسلم قالت: كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. قولها: شد المئزر كناية عن اجتناب النساء، أو عن الجد والاجتهاد في العمل، وكل ذلك واقع في العشر الأواخر. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي في السنن والضياء بسند صحيح عن أُبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوماً. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه بعده، وفي رواية كان يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه، فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة، وسمعت زينب فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: ما هذا؟ فأخبر خبرهن، فقال: ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها، فنزعت، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال. وفي أخرى كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، ثم ذكر نحوه إلى أن قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: آلبر يردن؟ فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. اختلف في اعتكاف المرأة في المسجد لما تتعرض له من رؤية الأجانب لها، وهل اعتكافها في مسجد بيتها أفضل قياسًا على الصلاة؟ قال ابن رشد: قالوا وإنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط، كما أذن صلى الله عليه وسلم لعائشة في الاعتكاف معه، وأما إنكاره بعد إذنه فلمعنى آخر، قيل: خوف أن يكن غير مخلصات. وَإِنَّمَا أَرَدْنَا الْقُرْبَ مِنْهُ غَيْرَةً عَلَيْهِ، أَوْ ذَهَابَ الْمَقْصُودِ مِنَ الِاعْتِكَافِ بِكَوْنِهِنَّ مَعَهُ، أَوْ لِتَضْيِيقِهِنَّ الْمَسْجِدَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاعْتِكَافِ بِلاَ صَوْمٍ، فَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ بِدُونِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.