الحديث رقم 137

كتاب الصيام · المدة 10:22 · المقطع 6 من 9

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي في السنن بسند صحيح عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن رجل من بني قيس، قال: معه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: صيام ثلاثة أيام من الشهر يذهب، وفي رواية: يذهبن وحر الصدر. وحر الصدر ما فيه من الغش والوساوس والحقد والغيظ والغضب. وأخرج النسائي بسند حسن عن عمرو بن شراحيل، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: رجل يصوم الدهر، فقال: وددت أنه لم يطعم الدهر. قالوا: فثلثيه؟ قال: أكثر. قالوا: فنصفه؟ قال: أكثر. ثم قال: ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر. وأخرج مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فلما رأى عمر غضبه قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد النبي. نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه. فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر. أو قال: لم يصم ولم يفطر. قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: ويطيق ذاك أحد؟ قال: كيف بمن يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: ذاك صوم أخي داود عليه السلام. قال كيف بمن يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال وددت أني طوقت ذلك. وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال ذاك يوم ولدت فيه وفيه بعثت أو أنزل علي فيه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صيام الدهر. وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال يكفر السنة الماضية والباقية. وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال يكفر السنة الماضية. قال مسلم: وفي هذا الحديث من رواية الشعبة، قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس، فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهماً. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر. قال النووي: قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسعة منها، وقد سبقت الأحاديث في فضلها وفضلها. فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه. ويدل على هذا التأويل ما رواه أبو داود وأحمد والنسائي. عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، والله أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عامر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنك لا تصوم الدهر وتقوم الليل؟ قلت: نعم. قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الأبد. مرتين. صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله. قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى. وفي رواية قال: أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وفي أخرى قال: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل، فلا تفعل، فإن لعينك حظاً ولنفسك حظاً ولأهلك حظاً، فصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة. وفي أخرى قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر له صومي فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام. قلت يا رسول الله، قال خمسًا. قلت يا رسول الله، قال سبعًا. قلت يا رسول الله، قال تسعًا. قلت يا رسول الله، قال إحدى عشرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صوم فوق صوم داود عليه السلام، شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا. فكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة. قوله: هجمت العين، أي غارت ودخلت بموضعها، ومنه الهجوم على القوم، أي الدخول عليهم. وقوله: نفهت، أي تعبت. والأدم جمع أديم، وهو جلد مدبوغ. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة قلما يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحى. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا عائشة، هل عندكم شيء؟ فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء. قال: فإني صائم. فخرج صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، فلما رجع صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئًا. قال: ما هو؟ قلت: حيس. قال: هاتيه. فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائمًا. وفي رواية قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذن صائم. ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائماً، فأكل. قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. قولها: جاءنا زور، الزور الزائر والضيف، يقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والأنثى، والحيس هو التمر مع السمن والدقيق أو الأقط. وفي الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة لا يلزم له تبييت النية من الليل، بل يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس. وقال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: قال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعاً ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعاً ثم شاء أن يقطعها قطعها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا. وفي رواية قال: إياكم والوصال مرتين، فقيل: إنك تواصل. قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. فَكَلَّفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ. الوِصَالُ تتابع الصوم من غير فطر بالليل، وقوله كَلَّفُوا أي تحمَّلوا. قال الحافظ: اختلف في أحاديث النهي عن الوصال، فقيل للتحريم، وقيل للكراهة، وقيل يحرم على من شق عليه ويباح لمن لا يشق عليه، وقد اختلف السلف أي الصحابة والتابعون في ذلك، وذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة إلا أنه مكروه غير محرم، أما الوصال إلى السحر فجائز لحديث أبي سعيد الآتي. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: لو مُدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني. وأخرج البخاري عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني، صلى الله عليه وسلم.