الحديث رقم 223

كتاب اللباس والزينة · المدة 9:05 · المقطع 4 من 11

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب اللباس والزينة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: أُهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف، فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتقين. الفروج تقدم تعريفه، ويسمى القباء، وسمي فروجًا لأنه منفرج من وراء، وكان الذي أهداه له أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة. قال ابن تيمية: حديث عقبة محمول على أنه لبسه قبل تحريمه، إذ لا يجوز أن يظن به صلى الله عليه وسلم أنه لبسه بعد التحريم في صلاة ولا غيرها. ويدل على إباحته في أول الأمر ما رواه أحمد عن أنس أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها فتعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها. وقال النووي: واللبس المذكور في هذا الحديث كان قبل تحريم الحرير على الرجال، ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث جابر عند مسلم حين صلى في قباء ديباج ثم نزعه، قال: نهاني عنه جبريل، فيكون هذا أول التحريم. وقال ابن حجر مثله، وقوله: لا ينبغي هذا للمتقين دل على خروج النساء؛ لأن اللفظ لا يتناولهن. وعلى أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى، ومذهب الجمهور جواز إلباسهم ذلك في نحو العيد. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي ذبيان خليفة بن كعب قال: سمعت ابن الزبير يخطب ويقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. قال النووي: هذا مذهب ابن الزبير، وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء، وهذا الحديث الذي احتج به إنما هو في لبس الرجال، والأحاديث الصحيحة صريحة في إباحته للنساء. وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجد عمر حلة من إستبرق تباع بالسوق فأخذها، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذه لباس من لا خلاق له. قال: فلبث عمر ما شاء الله. ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج، فأقبل بها عمر حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قلت إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له، ثم أرسلت إلي بهذه؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبيعها وتصيب بها حاجتك. وفي رواية: إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها. فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. ولمسلم قال: رأى عمر عطارد التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء، وكان رجلاً يغشى الملوك ويصيب منهم، فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطارداً يقيم بالسوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، ولبستها يوم الجمعة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة. فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: شققها خمراً بين نسائك. فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: يا رسول الله، بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت؟ فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكنني بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها. فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة قبل أن يسلم. وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرًا عرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكر ما صنع. فقال: يا رسول الله، ما تنظر إلي؟ فأنت بعثت إلي بها. فقال: إني لم أبعث إليك لتلبسها، ولكنني بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين نسائك. الحلة إزار ورداء. قال الجوهري: والسيراء بُرد فيه خطوط صفر كالسيور. قال ابن بطال: دلت طرق الحديث على أن الحلة المذكورة كانت من حرير محض، لذلك جازت للنساء دون الرجال. أما المختلط من حرير وغيره فلا يحرم على الرجال إلا أن يكون الحرير فيه أكثر. وقوله: يقيم بالسوق حلة، أي يعرضها للبيع. وفي الحديث جواز الهدية إلى الكافر، وصلة الأقارب الكفار؛ لأن الرجل كان أخا عمر لأمه كما في صحيح أبي عوانة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن علي رضي الله عنه قال: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي. ولمسلم قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فبعث بها إلي فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها لتشققها خمرًا بين النساء. وفي أخرى له أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليا، وقال شققه خُمُرًا بين الفواطم. الفواطم جمع فاطمة، والمراد زوجته وأمه، وفاطمة أم أسماء بنت حمزة. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة حرير سيراء. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم قباءً من ديباج أُهدي إليه، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب. فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله. فقال: نهاني عنه جبريل. فجاء عمر يبكي، فقال: يا رسول الله، أكرهت أمرًا وأعطيتنيه، فما لي؟ فقال: إني لم أعطكه لتلبسه، إنما أعطيتكه تبيعه. فباعه بألفي درهم. الوشك والوشك بفتح الواو وضمها، والوشاكة السرعة، والإيشاك الإسراع في السير، وقوله: أوشك أن نزعه أي أسرع بنزعه، وقوله: قد أوشك ما نزعته أي قد أسرع نزعك إياه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: إياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير. قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه السبابة والوسطى وضمهما.