الحديث رقم 230
نص الحلقة
لم نزل في كتاب اللباس والزينة في باب التصاوير. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن أبا طلحة الأنصارية قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة. قال بسر بن سعيد: ثم اشتكى زيد بن خالد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال إلا رقمًا في ثوب؟ وفي رواية قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي أخرى: ولا تماثيل ولا تصاوير. زاد بعض الرواة بعد قوله ولا صورة: يريد صورة التماثيل التي فيها الأرواح. وقوله رقمًا: الرقم النقش. وقوله إلا رقمًا في ثوب يحتج به من يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا، والجواب الجمهور عنه أنه محمول على صورة الشجر ونحوه مما ليس بحيوان. وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها. فقال له: ادن مني. فدنا منه، ثم قال: ادن مني. فدنا منه حتى وضع يده على رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل مصور في النار. يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فيعذبه في جهنم. فقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له. وللبخاري قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا. فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح. قوله: ربا، أي انتفخ. يقال: ربا الإنسان، أي انتفخ من غيظ أو كبر أو فزع. والربا هو الزيادة مطلقًا. قال تعالى: وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يدخل عليها، وجاء علي فذكرت له ذلك، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: إني رأيت على بابها سترًا موشيًا، فقال: ما لي وللدنيا. فأتاه علي فذكر ذلك لها، فقالت: ليأمرني فيه بما شاء. قال: ترسل به إلى فلان، أهل بيت بهم حاجة. قوله: سترًا موشيًا، أي منقوشًا مخططًا بألوان شتى. والوشي النقش. قال ابن حجر: وفي الحديث كراهة دخول البيت الذي فيه ما يكره. وقال المهلب وغيره: كره النبي صلى الله عليه وسلم لابنته ما كره لنفسه من تعجيل الطيبات في الدنيا، لا أن ستر الباب حرام، وهو نظير قوله لها لما سألت خادمًا: ألا أدلك على خير من ذلك؟ فعلمها الذكر عند النوم. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا هتكه، أو قالت: نقضه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: تصاليب جمع تصليب، كأنهم سموا ما كانت فيه صورة الصليب تصليبًا، تسمية بالمصدر. ووقع في رواية الإسماعيلي شيئًا فيه تصليب، وفي رواية الكشميهني تصاوير بدل تصاليب، ورواية الجماعة أثبت، فقد أخرجه النسائي فقال: تصاليب، وكذا أخرجه أبو داود. قال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقض الصورة، سواء كانت مما له ظل أم لا، وسواء كانت مما يوطأ أم لا، سواء في الثياب أو الحيطان أو الفرش أو الأوراق أو غيرها. قال ابن حجر: وهذا مبني على ثبوت الرواية بلفظ تصاوير، وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب نقض الصور. وأخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته. ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته. وقد سبق الحديث في كتاب الجنائز. قال النووي: فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح. كتاب البيوع وما نهي عنه منها. أخرج مسلم رحمه الله عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا يزيدن على بيع أخيه، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر. وللبخاري قال: من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر. ولمسلم قال: من اشترى شاةً مصراةً فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر. وفي أخرى له: رد معها صاعًا من طعام لا سمراء. المصراة هي الناقة أو البقرة أو الشاة يُصرُّ اللبن في ضرعها، أي يُجمع ويُحبس، ليظنها المشتري غزيرة اللبن. والسمراء الحنطة. قال النووي: أجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه، فلو خالف أو عقد فهو عاصٍ، وينعقد البيع. والنجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح. والتصرية حرام، وبيع المصراة صحيح مع أنه حرام. وللمشتري الخيار في إمساكها وردها مع صاع من تمر أو طعام، وهذا الصاع بدل من اللبن الذي شربه. وفيه دليل على تحريم التدليس في كل شيء، وأن البيع مع ذلك ينعقد، وأن التدليس بالفعل حرام كالتدليس بالقول. وفي هذه الأحاديث ثبوت الخيار في سائر البيوع المشتملة على تدليس.