الحديث رقم 229

كتاب اللباس والزينة · المدة 8:41 · المقطع 10 من 11

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ولم نزل في كتاب اللباس والزينة في باب التصاوير. أخرج الشيخان رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة داراً تُبنى بالمدينة لسعيد أو لمروان، فرأى مصوراً يصور في الدار، وفي رواية: في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلق ذرة أو ليخلق حبة أو ليخلق شعيرة. قوله: فليخلق ذرة أمر تعجيز، معناه: فليخلق ذرة فيها روح تتصرف بنفسها، أو حبة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت، كخلق الله سبحانه وتعالى. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه. وتلون وجهه، فقال: يا عائشة، أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت عائشة: فقطعناه، فجعلنا منه وسادتين أو وسادتين. وفي رواية قال: من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور. قالت: فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما. وفي أخرى أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل. قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فقال صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة. وفي أخرى قالت: حشوت للنبي صلى الله عليه وسلم وسادة فيها تماثيل كأنها نمرقة، فجاء فقام بين البابين، وجعل يتغير وجهه، فقلت: ما بالنا يا رسول الله؟ قال: ما بال هذه الوسادة؟ قلت: وسادة جعلتها لك لتضطجع عليها. قال: أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وأن من صنع هذه الصور يعذب يوم القيامة، فيقول: أحيوا ما خلقتم. قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت. السهوة بيت صغير، وقيل شبيه بالرف أو الطاق، والقرام الستر الرقيق، والنمرقة هي الوسادة، تضم النون والراء وتكسران، وقوله يضاهون خلق الله أي يشابهونه. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت على بابي درنوكًا فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني أن أنزعه فنزعته. ولمسلم قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكانت الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا. وفي أخرى له قالت: رأيته صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة، فأخذت نمطًا فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه أو قطعه، وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتهما ليفًا، فلم يعب ذلك علي. الدرنوك بوزن عصفور: ستر له خمل، والنمط مثله، والخمل هدب ما ينسج وتفضل له فضول، ومنه الخميلة، وهي قطيفة لها هدب، ويقال لريش النعام خمل. قال النووي: قوله حولي هذا عني محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة. فلهذا كان صلى الله عليه وسلم يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة، وهذه الأحاديث صريحة في تحريم تصوير الحيوان، وأنه غليظ التحريم، وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا تحرم صنعته ولا التكسب به، وهذا مذهب العلماء كافة. ويستدل بالحديث لتغيير المنكر باليد، وهتك الصور المحرمة، والغضب عند رؤية المنكر، وأنه يجوز اتخاذ الوسائد. وأما قوله إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، فاستدلوا به على أنه يمنع من ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب، وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم، هذا هو الصحيح. وأخرج مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة ولم يأته، وكان بيده عصا فألقاها من يده وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله. ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: متى دخل هذا الكلب؟ فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأخرج، فجاءه جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعدتني فجلست لك فلم تأت. فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. قال النووي: هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة هم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار. وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال. وأخرج مسلم عن ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح عندها يوماً واجماً، أي ساكتاً مكتئباً، وقيل حزيناً، فقالت له: لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. فقال: إن جبريل كان وعدني أن يلقاني فلم يلقني، أما والله ما أخلفني. فظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة. قال: أجل، ولكننا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتل الكلاب يومئذ، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير. الجرو بضم الجيم وكسرها وفتحها هو الصغير من أولاد الكلب وسائر السباع، والفسطاط بيت من شعر، والحائط البستان، وفرق بين الحائط الكبير والصغير لأن حفظ الصغير أسهل، والأمر بقتل الكلاب منسوخ كما تقدم.