الحديث رقم 224

كتاب اللباس والزينة · المدة 10:29 · المقطع 5 من 11

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج مسلم رحمه الله عن سويد بن غفلة أن عمر خطب بالجابية، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. قال ياقوت الحموي: الجابية قرية من أعمال دمشق في شمالي حوران، وباب الجابية بدمشق منسوب إلى هذا الموضع، ويقال لها جابية الجولان. قال النووي: وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهب الجمهور. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، وفي رواية قال: شكا وائل رسول الله صلى الله عليه وسلم القمل، فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما. الحكة بكسر الحاء وتشديد الكاف المفتوحة نوع من الجرب، عافانا الله والمسلمين. قال في الفتح: وكأن الحكة نشأت من أثر القمل. قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير. قال ابن حجر: ويلتحق بذلك ما يقيم من الحر أو البرد حيث لا يوجد غيره، وخصه بعضهم بالسفر وهو ضعيف. وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: كان سيف الزبير محلى بفضة. قال هشام: وكان سيف عروة محلى بفضة. وأخرج البخاري عن سليمان بن حبيب المحاربي قال: سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول: لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حليتهم السيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتهم العلابيَّ والآنوك والحديد. العلابي جمع علباء. قال الخطابي: هي عصب العنق، وهي أمتن ما يكون من عصب البعير. كانت العرب تشد ذلك العصب على أغلفة سيوفها وهو رطب، ثم يجف فيصير كالقد. والآنوك الرصاص. قال ابن حجر: وقع عند ابن ماجه لتحديث أبي أمامة بذلك سبب، وهو: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا شيئًا من حلية فضة، فغضب وقال، فذكر الحديث. وفيه أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الذهب والفضة أولى. وأجاب من أباحها بأنها إنما شُرعت لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك غنية لشدتهم في أنفسهم وقوة إيمانهم. وأخرج البخاري رحمه الله عن حذيفة رضي الله عنه قال: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه. ذهب الجمهور إلى منع الجلوس على الحرير. قال ابن حجر: الذي يمنع من الجلوس عليه هو ما مُنع من لبسه، وهو ما صُنع من حرير صرف، أو كان الحرير فيه أزيد من غيره، كما سبق تقريره. وأخرج مسلم عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر، فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله. فقال: أما ما ذكرت من رجب، فكيف بمن يصوم الأبد؟ وأما ما ذكرت من العلم في الثوب، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له، فخفت أن يكون العلم منه. وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان. فرجعت إلى أسماء فأخبرتها، فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية لها لَبْنة ديباج، وفرجاها مكفوفين بالديباج، فقالت: كانت هذه عند عائشة حتى قبضت، فلما ماتت قبضتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُستشفى بها. ميثرة الأرجوان بالإضافة، أي الميثرة الحمراء، والميثرة فراش صغير من حرير يجعل تحت الراكب، والأرجوان الشديد الحمرة. وقوله: جبة طيالسة بإضافة جبة لطيالسة، وكسروانية منسوبة إلى كسرى. وقوله: لها لَبْنة، بكسر اللام وسكون الباء، هي رقعة في جيب القميص. وقوله: فرجاها مكفوفين، كذا في جميع النسخ، والمكفوف ما جُعل له كفة، وهي ما يكف به جوانبها. وفي رواية أبي داود مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج، وفيه أن النهي عن الحرير يراد به الثوب المتمحض من الحرير، أو ما أكثره حرير، بخلاف الخمر والذهب، فقليله وكثيره حرام. قال النووي: أما جواب ابن عمر في صوم رجب، فإنكار لما بلغه عنه من تحريمه، وإخبار بأنه يصوم رجب كله، وأنه يصوم الأبد، والمراد بالأبد ما سوى أيام العيدين والتشريق، وهذا مذهبه، ومذهب أبيه وعائشة وأبي طلحة وغيرهم من سلف الأمة، ومذهب الشافعي وغيره من العلماء أنه لا يكره صوم الدهر. وأما كراهة العلم فأخبر أنه تورع عنه خوفًا من دخوله في عموم النهي عن الحرير. وأما المئثرة فقال: هذه مئثرتي، وهي أرجوان، والمراد أنها حمراء وليست من حرير، وقد سبق أن المئثرة تكون من حرير وتكون من صوف، وأن النهي عنها خاص بالمتمحضة من الحرير. وأما إخراج أسماء جبة النبي صلى الله عليه وسلم فقصدت به بيان أن هذا ليس محرمًا، وهكذا الحكم عند العلماء أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الطرف بالحرير جاز ما لم يزد على أربعة أصابع، فإن زاد فهو حرام لحديث عمر المتقدم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتمًا من ذهب وجعله في يده اليمنى. فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ، وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ. وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَرِّثْ، إِذْ لَوْ وَرَّثَ لَدُفِعَ الْخَاتَمُ إِلَى وَرَثَتِهِ. بل كان الخاتم والقدح والسلاح ونحوها من أثاثه الضرورية صادقة للمسلمين يصرفها والي الأمر حيث رأى من المصالح، فجعل القدح عند أنس إكرامًا له لخدمته، ومن أراد التبرك به لم يمنعه، وجعل باقي الأثاث عند ناس معروفين، واتخذ الخاتم عنده للحاجة التي اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم لها، فإنها موجودة في الخليفة بعده، ثم الثاني ثم الثالث، وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال، وسبق في كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أنس أن الخاتم سقط من عثمان. قال ابن حجر: وهذا يدل على أن نسبة سقوطه إلى عثمان مجازية، أو بالعكس، وأن عثمان طلبه من معيقيب فختم به شيئًا، واستمر في يده وهو مفكر في شيء يعبث به، فسقط في البئر، أو رده إليه فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس، وقد أخرج النسائي هذا الحديث وقال في آخره: وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثرت عليه دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يختم به، فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمان فسقط فالتمس فلم يوجد، وكان معيقيب على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم يعني أمينًا عليه كما عند أبي داود والنسائي.