الحديث رقم 227

كتاب اللباس والزينة · المدة 8:28 · المقطع 8 من 11

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ولم نزل في كتاب اللباس والزينة. أخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في الشعب بسند حسن، عن عبد الله بن بريدة، أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: إني لم آتك زائراً، ولكنني سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجوت أن يكون منه عندك علم. قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: فما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن كثير من الإرفاه. قال: فما لي لا أرى عليك حذاء؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً. وللنسائي عن عبد الله بن شقيق قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان. قال: ما لي أراك مشعاناً وأنت أمير؟ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الإرفاه. قلنا: أي لابن بريدة، وما الإرفاه؟ قال: الترجيل كل يوم. قوله شعث هو بعيد العهد بالغسل والنظافة، والمشعان منتفض الشعر ثائر الرأس، بعيد العهد بالتسريح، والترجيل والترجل دهن الشعر وتسريحه. قال الخطابي: الإرفاه الاستكثار من الزينة، وأن لا يزال يهيئ نفسه، ومنه الرفاهية، وهي الخفض والدعة. كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الإفراط في التنعم. فأمر بالقصد في ذلك، وليس معناه ترك الطهارة والتنظيف، فإن الطهارة والنظافة من الدين. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً في منزلنا، فرأى رجلاً شعثاً، فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ ورأى آخر عليه ثياب وسخة، فقال: أما كان هذا يجد ما يغسل به ثيابه؟ وأخرج الشيخان رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. الوفرة شعر الرأس إذا جاوز شحمة الأذن، والوفرة والجمة واللمة أوصاف لشعر الرأس إذا كان بين المنكب وشحمة الأذن على اختلاف في تحديد ذلك، والمشهور أن أدناها الوفرة، ثم الجمة، ثم اللمة، وهي التي ألمت بالمنكبين. قال النووي، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: المعروف أن نساء العرب كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفاً لمؤونة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونه بعد وفاته قاله غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي عمر بامرأة تشم، فقام عمر في الناس، فقال: أنشدكم الله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم؟ قال أبو هريرة: فقلت: أنا سمعت. قال: ما سمعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تشمن ولا تستوشمن. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العين حق، ونهى عن الوشم. الوشم أن يُغرز الجلد بإبرة ثم يُحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر. قال ابن حجر: وقد يفعل ذلك نقشًا، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام بدلالة اللعن، ويصير الموضع الموشوم نجسًا لأن الدم انحبس فيه، فتجب إزالته إن أمكنت ولو بالجرح، إلا إن خاف منه تلفًا أو شيئًا أو فوات منفعة عضو، فيجوز إبقاؤه وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها، وفي رواية فتساقط شعرها. أرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة. وفي رواية أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، وقالت إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: لا، إنه قد لعن الموصلات. وفي رواية: لعن الواصلات. قوله: لعن الموصلات كذا بالبناء للمجهول، والموصلات بتشديد الصاد مكسورة ومفتوحة مع فتح الواو، وبتخفيفها مكسورة ومفتوحة مع سكون الواو، الموصلات. وفي الحديث أن المرأة لا تطيع زوجها في معصية الله، وقد بوب البخاري عليه بذلك، فقال: باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن. قال اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر شيئًا، فجاءت فقالت ما رأيت شيئًا، فقال أما لو كان ذلك لم نجامعها. النامصة التي تزيل شعر وجهها، والمتنمصة التي تطلب ذلك، وهو حرام إلا إذا نبت لها لحية أو شوارب فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عند بعض العلماء. والمتفلجة التي تبرد ما بين أسنانها من الفلج، وهي الفرجة بين الأسنان. وقوله لم نجامعها، قال جماهير العلماء معناه لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها. قال النووي: فيحتج به في أن من عندها امرأة مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما ينبغي له أن يطلقها. وقال ابن حجر في هذه الأحاديث حجة لمن قال يحرم الوصل في الشعر والوشم والنمص على الفاعل والمفعول به، وهي حجة على من حمل النهي فيه على التنزيه، لأن دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة.